“بين قوسين” – الرصاص المسكوب، والسياسة الأميركية في الشرق الأوسط

مقدمة البرنامج : تشهد المنطقة حراكا سياسيا غير مسبوق، تحت عنوان المصالحات العربية والإنفتاح الغربي، وخصوصا الأميركي على سوريا، ولاحقا على إيران فما الذي تغيّر حتى باتت الابواب مفتوحة بعد سنوات من الإنغلاق؟ وهل هذه الحركات مجرد تغيير في التكتيك؟ أم نحن أمام تحوّل استراتيجي سيترك آثاره، على كافة الملفات الساخنة في المنطقة، وخصوصا الساحة اللبنانية المقبلة على انتخابات مفصلية، ولعل ابرز هذه القضايا اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، حيث تزامن إنطلاق أعمال المحكمة أمس، مع هذه التحولات، مما يطرح أكثر من علامة إستفهام، حول توقيت بدء أعمال هذه المحكمة، وتأثيرها على سياق المصالحات العربية خصوصا بين دمشق والرياض، فهل تم الفصل نهائياً بين مفاعيل هذا الملف وتطّور العلاقة بين البلدين؟ وهل أسقطت المملكة العربية السعودية إتهامها السياسي لسوريا بالمسؤولية عن الاغتيال، وهل صحيح ان المحكمة ستكون غير مسيّسة؟ أم انها ستبقى سيفا مسلطاً على دمشق، يستعمله المجتمع الدولي للضغط عليها، عندما تدعو الحاجة ؟

الاستاذ نهاد المشنوق:
اولا : أنا مختلف معك على المقدمة في ثلاث نقاط :
النقطة الأولى: توقيت المحكمة غير مرتبط بهذه التطورات، وقد جرى إقرار هذا التوقيت منذ أشهر طويلة في مجلس الامن الدولي، وكان مُعلنا انه سيكون في الأول من آذار، وقد طلب رئيس لجنة التحقيق الدولية تمديد مهامه لمدة شهرين إضافيين، وأصبح موعد المحكمة المقرر بالتأكيد هو أول آذار منذ ستة أشهر .

س- أنا اقصد التزامن ؟
ج- أنا أيضا لست مع الربط ولا مع التزامن، فمسألة المحكمة مسألة منفصلة تماماً عن التطورات الحاصلة.

النقطة الثانية : السعودية لم تتهم سوريا ولا مرة باغتيال الرئيس الحريري، إذا كنا نتحدث بمعنى النص. أما في الجو السياسي، فكثير من العرب والكثيرمن اللبنانيين قالوا هذا الكلام، لكن هذا ليس مدّونا ولا مؤكدا، ربما هناك مقالات، ولكن لم يصدر عن السعودية هذا الكلام علناً.

س- صدر فعل، حدثت قطيعة بالعلاقات السعودية- السورية عقب إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ؟
ج – هذا لا علاقة له باغتيال الرئيس رفيق الحريري، ولا ننسى ان الرئيس الاسد ذهب الى السعودية وحضر قمة الرياض .

س- المنطقة وتزاحم الملفات في المنطقة وتطور الملفات، بمعنى ان هذا الحراك الدبلوماسي الذي نشاهده على السطح، فطهران ودمشق تعجّان بالوفود الدبلوماسية العربية والغربية ، أيضا هناك مؤتمر عقد اليوم لإعادة إعمار غزة على إيقاع المصالحة الفلسطينية – الفلسطينية، وهناك انتخابات إسرائيلية أفرزت يميناً متطرفاً، والمنطقة موعودة بحكومة يمينية متطرفة برئاسة نتنياهو، كذلك المحكمة الدولية بدأت أعمالها بالأمس . كل هذه الملفات التي تتزامن مع بعضها، أي قراءة تدعو المراقب السياسي ليجريها هل تدعو الى التفاؤل او التشاؤم؟ ولماذا بسحر ساحر، اذا صح التعبير، انقلبت الأمور ؟
ج – ليس بسحر ساحر أعتقد ان هناك موعدا مفصليا حدث في المنطقة، هو الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة ، هذه الحرب كشفت الكثير من الأمور التي كانت موجودة، ولكن لم تكن مكشوفة، فهي كشفت أولا الإدارة الأميركية السابقة التي وعدت ووعدت، وكررت بأنه سيكون هناك حل قبل نهاية ولاية الرئيس بوش، ومرّت 8 سنوات دون تحقيق أي تقدّم في هذا الموضوع، هذا الأمر لم يكن مخبأً، ولكن حجم الحرب الإسرائيلية على غزة كشف هذا الموضوع .

الدول التي كانت معنية بمسألة تقدّم التسوية السلمية في المنطقة، ماذا إستطاعت ان تحقق؟ عملياً تسببت هذه الإدارة الأميركية بحجم من المشاكل للدول العربية المعنية بمسار التسوية السلمية، حجمها أكبر بكثير مما نتصور، وهذا أيضا كان موجوداً وقد كان موجوداً عند السعودي وعند المصري وعند الأردني، وعند كل العرب المعنيين بمسار التسوية .

نتائج الإنتخابات الإسرائيلية أيضا لم تكن مفاجأة، وكان واضحاً ان اتجاه الشعب الإسرائيلي هو اتجاه بعيد عن مسالة التسوية . أيضا جاءت حرب غزة وكشفت هذا الموضوع. الحرب الإسرائيلية على غزة تعد مفصلا تاريخيا في مسار الأحداث في المنطقة، هناك ماهو قبل الحرب على غزة وما بعدها. مابعد الحرب على غزة وجد الجميع أنفسهم أمام وقائع جديدة لا يستطيعون تجاهلها .

س- أولى نتائج مابعد الحرب على غزة، هل نستطيع أن نقول هزيمة محور الإعتدال العربي او سقوط رهان المعتدلين العرب ؟
ج – أنا لا أوافق على مسألة الرهان، أنا أوافق على كلمة السعي، كان هناك سعي واضح .

س- هل نعتبره خياراً؟
ج- لو كان هناك خيار لما تم التراجع عنه، دعينا نقول حصل توقّف للمساعي . ان النظرة بأن هناك دولا قابلة وأخرى رافضة هذه مسألة غير دقيقة، لأنك الآن قلت ان الوفود الأميركية تتدفق على دمشق وعلى طهران، هذا صحيح، ولكن رأيي الشخصي اننا لا نزال في مرحلة الاستكشاف، ليس هناك من قرار حاسم ولا تصوّر واضح لمسار أي حوار جدي يتم مع دمشق أو مع طهران، لذلك نلاحظ ان هناك يوميا إرتباكا في التعاطي مع الموضوع، فكل يوم هناك إرتباك أميركي فيصدر نص لا نوافق ثم نوافق ثم الجزرة والعصا. وتعبير الجزرة والعصا تعبير كان الرئيس الأميركي السابق جورج بوش يستعمله، وهذا ليس بجديد .

لذلك أعتقد إننا مازلنا في مرحلة الإستكشاف، هناك قرار استراتيجي بالحوار ولكن ليس هناك حتى الآن من إطار واضح لهذا الحوار، على ماذا ستحاور، والى أين قد تتوصل بالحوار، وماهي قدرتك على ان تضمن التجاوب الإسرائيلي، اذا كان النقاش حول مسألة السلام ، وما مدى قدرتك على أن تضمن التجاوب الإيراني بمسألة الملف النووي الإيراني ؟ كل هذه الأسئلة لا يوجد لها جواب حتى الآن.

وهنا أريد أن ألفت الى أمر، وهو ان الوفود الأميركية التي أتت الى دمشق، هي نفس الوفود التي أتت قبل الإنتخابات الأميركية ، لذلك لا اعتقد ان ما يجري الآن أكثر من محاولة إستكشاف، هذا بالنسبة لما بعد حرب غزة .

س- في مرحلة الإستكشاف التي تحدثت عنها، ماهو مضمون هذه النقاشات وهذه الحوارات، طالما ان سوريا تؤكد في خطاباتها انها مازالت متمسكة بثوابتها هي هي لن تتنازل عنها ؟
ج- لا أناقش ثبات الموقف السوري او عدم ثباته، أنا أتحدث عن الحركة السياسية لماذا تغيّرت والى أين هي ذاهبة؟ أنا أعتقد ان هناك مرحلة إستطلاع، ولكن لا توجد سياسة أميركية حتى هذه اللحظة تتجاوز مبدأ الحوارـ ليس هناك من تصوّر نهائي وحاسم ،لا بشأن حل الدولتين ،خاصة الوضع الإسرائيلي الحالي ولا بشأن الدور الأقليمي ولا بشأن أفغانستان . هناك موضوع واضح في ذهنهم هو تحديد موعد الانسحاب من العراق، وهذا تم بعد عقد إتفاقية أمنية مع الإدارة الأميركية السابقة من قبل الحكومة العراقية .

يقول الأستاذ زغبي ان إدارة أوباما تريد ان تشتغل على مفهوم جديد، يقرأ هذه المنطقة بكثير من الواقعية، أنا أتمنى ان يحصل ما قاله ولكنني متحفظ .

س- لماذا ؟
ج- لأنني اعتقد ان الإدارة الأميركية لا تملك حلولاً سحرية، ولا تملك هدايا جدية تقدّمها لأحد . لديها إستطلاع، وهي ستعود الى مناقشة نفسها أو يتناقش المسؤولون مع أنفسهم ليجدوا انهم بحاجة الى إيجاد أجوبة جدية غير متوفرة . هناك فرق كبير بين ان يكون لديك مجموعة من المندوبين بمعنى صورة مُنمقة وزاهية لمندوبين متخصصين، سواءاً السيناتور ميتشيل في الشرق الأوسط مع سمعته المفترض انها موضوعية ، أو تخصيص دنيس روس بالمسألة الإيرانية رغم انه يعود لوزيرة الخارجية ولم يعد مبعوثا رئاسيا كما كان يتمنى. ولكن أعتقد ان ما نراه الآن هو صورة زاهية مُنمّقة ليس لها أي مضمون جدي لتصوّرات الحلول السياسية في المنطقة ، هل هناك قرار استراتيجي بالحوار ؟ نعم ! ولكن هناك إطارا لهذا الحوار، اشك بأن تملك الإدارة الأميركية إجابة على أي سؤال يتعلق بتطورات السلام في المنطقة .

س- إذاً ماجدوى من هذا الحوار ؟
ج- الجدوى تظهر بالحوار، ولكن إفتراض الجدوى المسبقة أيضاً غير متوفر . يجب أن نرجع دائماً الى غزة . الجيش الإسرائيلي احتل منطقة قطاع غزة لمدة 40 سنة وخرج منذ ثلاث سنوات، ولكن إضطر بعد ثلاث سنوات لإعادة إحتلال المنطقة نفسها ، هذا يعني ان موضوع الصراع العربي- الإسرائيلي في المنطقة بعد الذي حدث في غزة، عاد الى نقطة الصفر ، وهذا الإستنفار الدولي الكبير الذي شاهدناه اليوم في شرم الشيخ هو محاولة للإجابة على هذا العناد الأسرائيلي الذي لا يستطيع أحد من العرب أو المسلمين تحمّله، تحت أي ظرف من الظروف، وهذا ظهر واضحا وصريحا بردود الفعل على ماحدث في غزة، تمثلت بالمظاهرات التي نزلت الى الشوارع من الهند الى اليمن .

إذاً لا العرب ولا المسلمين ولا أحد يستطيع تحمل ماحدث في غزة، ولذلك أعتقد ان الإدارة الأميركية تعاني من إرباك جدي في موضوع السلام في المنطقة، خاصة في ظل نتائج الإنتخابات الإسرائيلية، وبالتالي يُقال ان رقصة التانغو تحتاج الى إثنين ، ولكن المتوفر الآن هو طرف واحد وهو الجانب العربي، والجانب الإسرائيلي غير متوفرعلى الاطلاق. فعندما يقول الرئيس الاسد ان المبادرة دُفنت، والعاهل السعودي يقول جمدنا المبادرة، ووزير الخارجية السعودية اليوم كرر فكرة تجميد المبادرة ، كل هذا جيد وعظيم وممتاز ولكن ما البديل ؟ أنا لا أرى أيضا أي إطار جاهز وحاضر وواضح عما هو البديل ، أنا سمعت ايضا الاستاذ زغبي يذكّر بزيارة وزير الخارجية الأميركي السابق كولن باول الى دمشق ومحادثاته مع الرئيس الاسد، ولكن أعتقد ان الظروف مختلفة، وطبيعة الحوار مختلفة وطبيعة الكلام السوري الرسمي مختلفة، والظروف السياسية مختلفة تماما، لذلك لا أعتقد ان المقارنة مفيدة في هذا المجال.

س- الظروف مختلفة، هل هذا يعني ان السوريين في وضع افضل ؟
ج- يجب أن نتذكر انه في تلك المرحلة كان الجيش السوري موجودا في لبنان، وكان جزءاً من أوراق التفاوض، وكان الموضوع العراقي والنفط العراقي ومروره عبر الأنابيب في الأراضي السورية كانت جزءاً من الحوار، والأموال العراقية كانت مجمدة في سوريا وكانت جزء من الحوار، والطلب الأميركي بالإنسحاب الى البقاع كان جزءا من الحوار ، يعني طبيعة مختلفة وظروف مختلفة لذلك لا يوجد اي نسبة ولا مقارنة بين 2003 التي أتى فيها الوزير باول الى سوريا وجاء من بعده نيكولاس بيرنز، وايضا ريتشارد ارميتاج بمعنى ثلاث محاولات في سنة واحدة، أنا أعتقد انها مختلفة تماما مختلفة بالعراق، مختلفة في لبنان، ومختلفة بالتأكيد في سوريا .

س- نحن نتحدث هنا عن المقارنة بين مرحلة 2003 وزيارة كولن باول لدمشق والمرحلة الحالية؟
ج- المرحلة مختلفة تماما فلا الخطاب السوري هو نفسه، ولا الخطاب الأميركي بالتأكيد هو نفسه ، دعينا نتفق على موضوع النقاش، فتارة نكون نتحدث عن مؤتمر شرم الشيخ ثم ننتقل الى كولن ثم الى صمود سوريا، لذلك دعينا نتفق على مسار النقاش .

الاستاذ عمران يقول ان الثوابت السورية هي نفسها والأميركي هو الذي تغير، أنا أعتقد ان كليهما تغير، الدليل انه في كانون الثاني 2004 بعد سقوط المساعي الأميركية بدأ الدور التركي للوساطة في المفاوضات غير المباشرة بين سوريا وإسرائيل، أليس هذا تغييرا بصرف النظر عما اذا كنا نوافق عليه او لا نوافق. لذلك أرى ان الثوابت السورية تغيّرت ولكن ليس هناك شيء نهائي بأن هذا مقدس ولا عودة عنه . هناك قضية وطنية سورية تتعلق بالجولان المحتل، ولكن ما يجري من سياسات حولها ليست معزولة عنها، ولايمكن القول انها معزولة عما يحدث حولها.

س – ألا تعتقد ان الثابت الوحيد في كل هذه التغيرات هو الإنفتاح الأميركي على سوريا بعد إقرار أميركي بفشل سياسة العزل ؟
ج- هذا الأمر أكيد وغير خاضع للنقاش، أنا أقول ان طبيعة الحوار إختلفت وسياسة الإدارة الأميركية بالتأكيد كانت خاطئة، باعتراف الاميركيين .

س- عندما يتحدث الرئيس السوري بشار الاسد، ويحمّل الوفد الاميركي الذي زار دمشق مؤخراً، عندما قال يجب على الإدارة الأميركية عدم إتباع سياسة الإملاءات على سوريا؟
ج- عن زيارة أي وفد أميركي تتحدثين؟.

س- أتحدث عن زيارة جون كيري ؟
ج – إذا قرأنا أجوبة السيناتور كيري في لبنان وأجوبته في سوريا وفي مصر، نجد ان كل جواب مختلف عن الآخر، ولكنه في سوريا قال ان النقاش كان ايجابياً جداً، وفي لبنان قال كلاماً آخر، لذلك يجب عدم أخذ الأمور من نهاياتها .

ما أقوله ان هناك حوارا يجب الإستطلاع حوله، ويجري تحديد مجدّد او متجدّد للثوابت التي سيجري الحوار حولها .

فاذا اعتبرنا ان الثوابت هي نفسها منذ عشر سنوات حتى الآن، ودون التأثر بكل المتغيرات السياسية في المنطقة، فأعتقد ان هذا أمر غير طبيعي وليس منطقياً .

س- متى برأيك ستظهر هذه الرؤية الواضحة عند الأميركيين، وتتبلور وتخرج من مرحلة الإستطلاع الى مرحلة العمل الجدي؟
ج – أعتقد ان هذا الأمر سيأخذ وقتا طويلاً ، فالإدارة الأميركية عندها ملفات معقدة جدا وشائكة في أفغانستان والعراق، وفي الوضع الإقتصادي الفظيع، حيث يظهر كل يوم رقم جديد لحجم الخسائر.

أعود وأقول الصورة المنمقة للإدارة الأميركية الجديدة بوجود كل الإختصاصيين في مناطق عملهم، بالاقتصاد في وزارة الخزانة، في مفاوضات الشرق الاوسط، بالرغبة بالمفاوضات مع إيران كل هذا يرسم صورة زاهية، ولكن حتى الآن لا توجد حلول نهائية للمسألة الإقتصادية والخسائر تزداد كل يوم صباحا، ولا يوجد تصوّر جدي لمسألة إطار الحوار في الشرق الأوسط . هناك أمران أكيدان اليوم :

الاول : ان هناك قرارا دوليا وأميركيا بالإنفتاح والحوار .
الثاني : ان القضية الفلسطينية عادت لتثبت انها القضية المركزية الأولى في المنطقتين العربية والإسلامية، وأي كلام غير ذلك يقوله عرب أو أجانب، غير دقيق وغير صحيح . فعندما يحتل جيش إسرائيلي قطاع غزة 40 سنة ويخرج، وبعد ثلاث سنوات يعود، فهذا يعني ان كل هذه السنوات ذهبت هباءاً ولم يحقق اي شيء .

س- ماهو المطلوب اليوم من سوريا، في ضوء الحوارات الأوروبية والأميركية معها ؟
ج – لا يمكنني ان أتحدث عن الجانب الاميركي، ولكن بالتأكيد، هناك تفاوض حول المسألة الوطنية التي هي الحقوق الوطنية المتعلقة بمرتفعات الجولان، وتحريرها، وهناك موقف سوري من القضية الفلسطينية محّدد ومُعلن، وهناك مسألة العراق والجوار سواء اللبناني او العراقي، وايضا هناك العلاقة مع إسرائيل، وبالتالي هناك الكثير من الملفات التي يلزمها بحث بين الجهتين .

لا أقول ان الحوار لن يتم، ولكن ما أقوله انه ليس هناك من إطار جاد لهذا الحوار فلا تقرير بيكر- هاملتون ينص على إطار جاد، ولا كل تطورات السياسة الأميركية بما يف ذلك تعيين الأشخاص تعطي إنطباعاً بأن هناك إطار .

س- يعني كل هذه الجهود التي تأتي الى سوريا بدون خارطة سياسية ؟
ج- طبعاً بدون خارطة سياسية، وأنا أقول هذا الكلام على مسؤوليتي ، كيف يمكن وضع خارطة سياسية والوضع في إسرائيل على ماهو اليوم؟ وكيف سنضع خارطة سياسية والوضع في فلسطين على ماهو، هناك إنقسام في المكانين وهو إنقسام جدي .

ولذلك ليس منطقيا، تجاهل هذين الانقسامين بوضع تصوّر سياسي. هذا أمر، غير منطقي .

أريد تصورا سياسيا لمستقبل الإنقسام الفلسطيني، وأريد تصورا سياسيا لمستقبل الإنقسام الإسرائيلي حول مسألة حل الدولتين، هناك حكومة إسرائيلية تُشكّل الآن رافضة لحل الدولتين .

وبالتالي أليس من المفروض أخذ كل هذه الامور بالإعتبار عند وضع الخريطة السياسية؟ وأعتقد ان هذه الخريطة لم توضع بعد، لأن لا شيء محسوم حتى الآن في اي مكان وهذا الأمر برأيي سيأخذ وقتا طويلاً .

س- هل يصح الإستنتاج ان الهدف من وراء كل مايجري على الساحة ، اي التقرّب والتودُّد الاميركي – السوري هو إيران ؟
ج- بالتأكيد إيران هي احد هذه الأهداف، ولكن من السذاجة القول بان هناك من يستطيع ان يفصل بين إيران وسوريا بعد علاقة استراتيجية عمرها 27 سنة اواكثر، لكن اذا كان هذا التحالف قائم على المصالح بسبب طبيعة النظامين المختلفين ، هذه المصالح ممكن ان تتوفر في مكان آخر، وهذا جزء من النقاش، ولكن ايضاَ من المبكر الحكم على النتائج لاننا نتحدث الآن عن اشياء محّددة .

الاستاذ عمران قال ان هناك تفاهماً اوتطابقاً او تماثلاً بالموقف الفلسطيني بين إيران وسوريا ، ماهو هذا التطابق مادامت إيران كما أعرف ضد حل الدولتين، بينما سوريا توافق على حل الدولتين في كثير من المحطات التفاوضية من مدريد الى جنيف حتى اليوم .

الموضوع الفلسطيني هو الموضوع الأساس فمن عنده أي تصوّر لحل الموضوع الفلسطيني فليأتي ويضعه على الطاولة ويناقشه مع الجميع، وأنا لا أتكلم كلاما خارج اطار ما يحصل . ماحدث في غزة يؤكد ان الموضوع الرئيسي والمركزي هو الموضوع الفلسطيني، ومن يملك جوابا على الموضوع الفلسطيني، جواب نهائي وحاسم وقابل للتنفيذ، فليضعه على الطاولة وعندما يصبح هذا متوفرا، وقابلا للتنفيذ يصبح الكلام عن كل الأمور الأخرى أسهل ، فالموضوع الفلسطيني بعد حرب غزة أمر مختلف تماما، عن الموضوع الفلسطيني قبل غزة.

قبل غزة ساد الإعتقاد لدى الكثير من القوى في المنطقة، غربية وعربية واسرائيلية، ان الموضوع الفلسطيني صمت وبُحّ صوته ولم يعد موجودا ولكن ما ثبت عكس ذلك. فلا زالت هناك قوى عسكرية وسياسية في غزة قادرة على الصمود امام جحافل وضربات بالطيران لها تأثير كبير وتحدث اضرارا. هذا يعيد الأمر من الاساس الى الموضوع الفلسطيني هل عندك جواب بالموضوع الفلسطيني ؟ هذا سؤال سيوّجه الى جميع القوى المعنية ومن عنده جواب يناقشه الجميع .

اعتقد ان كل الحوارات العربية من جانب آخر تحاول ان تجد جوابا عن هذا السؤال قبل القمة العربية المقررة اواخر شهر آذار، ماحصل اليوم في شرم الشيخ هو أمر مختلف واخطر بكثير من الحوار الذي نجريه الآن لأنه اذا قرأنا كل الخطابات السياسية التي قيلت اليوم في شرم الشيخ من الرئيس المصري الى وزيرة الخارجية الاميركية الى الرئيس الفرنسي نجد انهم يتحدثون عن القضية الفلسطينية وكأنها قضية انسانية تتعلق باعادة الاعمار فقط . ولكن تبيّن بعد غزة ان القضية الفلسطينية قضية قومية وقضية وطنية وعربية واسلامية ايضا .

س- في موضوع المصالحة السعودية – السورية عندما يقول سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي اننا لن نلتفت الى الماضي ودفناها الى الابد ما الذي تغير ؟
ج- اي تلميذ سنة اولى في العلوم السياسية يعرف ان الاسرائيلي لايستطيع ان يحقق اي انتصار سياسي بما فعله في غزة ولا يحتاج الامر الى الكثير من التفكير بانه طالما هناك صاروخ واحد يطلق فهذا يعني ان المقاومة لازالت موجودة ولا زالت فعالة وانه لا انتصار سياسي لاسرائيل .

اعتقد ان القرار السعودي قرار استراتيجي بالنظر الى العوامل الكثيرة المحيطة بنا ، ماحدث في غزة ، الانتخابات في اسرائيل ، الانقسام الفلسطيني .

س- ولكن اثناء حرب غزة كان هناك قمة في قطر وقاطعتها السعودية ؟
ج- ماحدث في قطر ليس قمة انما كان لقاء تشاوريا والخلاف الذي حصل كان شكليا وليس حول المسألة الفلسطينية ، ونحن ننسى ان الملك عبدالله هو نفسه قال عن القوات الاميركية في العراق في مؤتمر الرياض انها قوات احتلال .

اعود واقول انه لايوجد عاقل يعتقد ان اسرائيل حققت انتصارا سياسيا في غزة فالأمر الطبيعي ان تراجع سياستك. ماهي الاولوية عندك الآن في ظل ادارة اميركية مشغولة عنك وانتخابات اسرائيلية تأتي باليمين المتطرف وانقسام فلسطيني ولذلك يجب اعادة النظر في الاولويات .
واضح ان الاولويات هي التضامن العربي اولا بالانفتاح وقول الكلام الكبير للامير سعود الفيصل في باريس، باننا دفنّا الخلافات مع سوريا في حفرة عميقة وهذا كلام ليس بسيطاً خاصة عندما يصدر من الامير سعود الفيصل بالذات هو كلام واضح بان هناك قرارا استراتيجيا بتغيير الاولويات.

س- الا تعتقد انه اقرار غير مباشر بفشل السياسة السعودية السابقة ؟
ج- هو اقرار مباشر بفشل الادارة الاميركية بتنفيذ اي من وعودها .
لذلك وتجاه كل هذه التطورات كان لابد من قرار استراتيجي لايمكن ان نسميه تراجعا عن سياسة سابقة بل هو اعادة نظر في اولويات واضحة وبرأيي انها غير مؤقتة.

س- طالما انها غير مؤقتة ودائمة لماذا نرى هذا الاندفاع وهذه المراجعة عند الجانب السعودي اكثر منها عند الجانب المصري ؟
ج – المصري عنده مشكلة الجغرافيا ، ويجب الا ننسى ان ما يحدث يجري على الحدود المصرية، وغزة جزء من الأمن القومي المصري، والتصرّف المصري تجاه غزة كان دائما اقل بكثير بالمعنى السياسي وليس بالمعنى الامني، من استيعاب التغيرات التي تحدث داخل فلسطين.

ما حصل داخل فلسطين، فالانتخابات ليست امراَ عادياَ يمكننا تجاوزها وكأنها لم تحدث وأعني حصول حماس على نسبة عاليه جدا من الاصوات وهذا أمر لايمكن تجاهله. ولكن المصريين في البداية تجاهلوه وبعد ذلك وجدوا ان هناك مشكلة كبيرة فارتبكوا واليوم يحاولون مع دعم دولي ورغبة سعودية ايضاً استعادة دورهم في المسألة الفلسطينية .

هناك رغبة بقرار استراتيجي جدي عند الجميع لاعادة النظر باولوياتهم. البعض مرتبك والبعض اتخذ قراره مثل السعودية دون ارتباك وبشكل مفاجىء حتى لنا والبعض لايستطيع حتى الآن تحقيق اي شئ .

اذاً هناك وقائع متسارعة وسريعة والسبب في كل ذلك غزة . اعود واقول هناك ما قبل غزة وما بعد غزة .. مابعد غزة يطال المصري والسعودي والسوري والاردني والفلسطيني والاسرائيلي ولا يطال جهة دون اخرى .

لايكفي ان نقول ان الوفود الاميركية تتدفق على سوريا، ايضا الرئيس الفرنسي ساركوزي اتى الى سوريا قبل الوفود الاميركية وقد كسر بشكل حاد العزلة الاوروبية عن سوريا وحقق مع سوريا تقدما في الوضع اللبناني.

اما بالنسبة لما حصل في مؤتمر شرم الشيخ فهو كبيرجدا يجب التركيز عليه اكثر بكثير مما هو حاصل لأنه لو كانت الارقام الكبيرة تحل فعلا المشاكل في فلسطين لكانت الأرقام الخيالية قد خُصّصت منذ زمن لانهاء الموضوع .

وبما انه ليس هناك من جواب سياسي فالمشكلة قائمة ولذلك اعاد كل الناس النظر باولوياتهم وتصرّفوا على هذا الاساس دون انتصار لاحد من العرب ودون هزيمة لاحد من العرب.

انا لا اوافق بانه كان هناك سياسة تآمر جرى التراجع عنها وانا لا اوافق على هذه الصورة .

س- يعني كان هناك رهان وفشل ؟
ج- كان هناك رغبة بنجاح دور الادارة الاميركية لمدة 8 سنوات ولكنه فشل بكل بساطة.

س- في ماخص المحكمة الدولية هل تعتقد ان هذه المحكمة ستكون بمنأى عن كل الحراك السياسي في المنطقة ؟
ج- اولا يجب ان نتفق على مبدأ: هل نحن موافقون على لجنة التحقيق الدولية ؟
كل التقارير التي صدرت عن كل رؤساء اللجان من ميليس الى بلمار آخر رئيس كانوا يقولون ان هناك تعاونا سوريا مرضيا. اذاً سوريا توافق على عمل اللجنة بغض النظر عن الموقف الشخصي من المحقق ميليس في ذلك الحين بسبب تسميته مسؤولين سوريين ومن ثم تراجع عن ذلك .

لست مؤهلا ولا أملك الخبرة الكافية للدخول في نقاش حول مسألة المحكمة ، فمنذ اربع سنوات ، يُقال انها مسيسة ولكن رئيس لجنة التحقيق يقول كلاما دقيقا جدا جدا، لماذا لا نأخذ هذا الكلام كما هو، ونترك له تقرير الأمر بنفسه ولماذا نجعلها مثار جدل.

قال بلمار:”أنا أبحث عن أدلّة لا ترقى اليها الشبهات “، وهذا كلام علمي ودقيق لنتركه يعمل وعندما يصل الى هذه الأدلّة فليبلغنا بها.

هناك نقطة أخيرة، مسألة إعلان الرئيس الأسد. هذه مسألة بينه وبين مجلس الأمن الدولي وبين المحكمة وليس بين المواطنين، لذلك إذا تم سحب هذا الموضوع من التداول أعتقد ان ذلك أفضل للجميع للبنان ولسوريا وللشعبين وللنظامين.