من يأخذ الرئاسة الى المجهول؟

مقالات 30 يوليو 2007 0

 
لم تبدأ بعد حفلات وداع السفير الأمريكي في بيروت جيفري فيلتمان رغم أنه سيغادر قبل نهاية السنة الحالية إلى منصب متقدم في الخارجية الأمريكية. فيلتمان عمل في مناطق النزاع الحارة العربية قبل وصوله إلى لبنان أي في أربيل عاصمة المنطقة الكردية في العراق، حيث تطوع للعمل في مكتب تحالف السلطة المؤقتة، بعد أن عمل قنصلاً لبلاده في القدس المحتلة منتقلاً من تل أبيب حيث كان مساعداً للسفير مارتن أنديك للشؤون الاقتصادية في قطاع غزة وأخيراً سفيراً في لبنان منذ ثلاث سنوات.
إذاً فيلتمان الذي عمل في العراق وفلسطين المحتلة ولبنان يستطيع أن يقول إن وجوده في لبنان جعله على مقربة من الأنباء العراقية والفلسطينية، وأن يتأثر بها وأن يتصرف على أساسها.
بالفعل هذا ما فعله منذ أسابيع حتى الآن. إذ إنه أمطر اللبنانيين مؤخراً بسلسلة من النصائح والتحذيرات والمواقف، مما يفسر مدى تأثره بأحداث العراق وانقلاب “حماس” الفلسطينية في قطاع غزة، فبعد حديث مطول مع الزميل مارسيل غانم على L.B.C في ذكرى العيد الوطني لبلاده، أدلى فيلتمان بحديث على موقع “ليبانون فايلز” الإلكتروني، أظهر فيه موقفين مخالفين – علناً على الأقل – لسنوات عمله السابقة في بيروت.
الأول إعادة الصورة الإرهابية الدولية ل”حزب الله” بعد اعتقال خلية له في العراق قال إنها كانت تدرب إرهابيين لمهاجمة السنة وقوات التحالف. وهي التهمة الأولى للحزب منذ عام 83 الذي تفرغ فيه الحزب كلياً لقتال الإسرائيليين في جنوب لبنان. لكن هذا الموقف لم يمنع فيلتمان من الاعتراف بالحجم السياسي المتقدم للحزب في الحياة السياسية اللبنانية.
الموقف الثاني هو دعم انتخاب رئيس للجمهورية بأكثرية النصف زائد واحد من النواب. ولو أخذ هذا الموقف صفة اقتراح من ناخب لبناني لنوابه الذين يمثلونه في المجلس. باعتبار أن انتخاب أكثرية النواب أفضل من الفراغ” فدستور لبنان لم يشرع لمكافأة محبذي الفراغ” على حد قوله.

ما الذي جعل السفير فيلتمان يقطع الطريق على الهدنة السياسية التي أعلنها “التكتل الطرابلسي” الذي يتزعمه الوزير محمد الصفدي، حين تبنى علنا أكثرية الثلثين لنصاب جلسة انتخاب رئيس الجمهورية في موقف لافت جعل قوى الرابع عشر من مارس، مرتبكة تجاه ما هددت به بانتخاب رئيس للجمهورية على قاعدة الأكثرية المنضوية تحت لوائها؟
لا شك في أن الإدارة السياسية الأمريكية تحسست من الحركة الدبلوماسية الفرنسية المنفتحة على إيران وسوريا والسعودية والقوى السياسية اللبنانية التي اجتمعت في ضاحية سان كلو القريبة من باريس، بمن في ذلك ممثلو “حزب الله”.
تأتي هذه الحساسية أولا مما سماه أحد كبار المسؤولين اللبنانيين “خفة” وزير الخارجية الفرنسي الجديد برنار كوشنير الذي اندفع نحو الساحة اللبنانية على قاعدة أن ما يراه أمامه هو الواقع، ولا ضرورة لتغييره. فبدا وكأنه يعطي أطراف المعارضة ما لا تريده الإدارة الأمريكية ولا حلفاؤها في الأكثرية طبعا، فلم يجد السفير فيلتمان من وسيلة أمامه غير تعطيل المضمون السياسي للحوار اللبناني برعاية فرنسا، بإعلان الإرهاب الدولي لـ”حزب الله” وتشجيع الانتخابات الرئاسية على قاعدة الأكثرية.

بداية، هذا يعني أن زيارة وزير الخارجية الفرنسي إلى بيروت هذا الأسبوع، بعد أن سبقه مبعوثه السفير جان كلود كوسران، لم تؤد إلى نتيجة، رغم أن السفير كوسران استمع إلى تشجيع من المسؤولين السعوديين على تسوية تمر من باب توسيع الحكومة إلى الانتخابات الرئاسية بالتوافق بين اللبنانيين. وهو ما عمل الأمين العام للجامعة العربية على إنضاجه في الشهر الماضي ولم ينجح بسبب موقف المعارضة.
أما في طهران فقد سمع كوسران ما يطمئن إلى ضرورة صيانة “الهدنة” السياسية اللبنانية بتوسيع الحكومة إلى أن يحين وقت التسوية التي تعبر عنها انتخابات رئاسة الجمهورية وهو ما لم يتحقق حتى الآن.
الجديد فيما نقله كوسران عن المسؤولين الإيرانيين قولهم إن الطائفة الشيعية في لبنان لا تتمتع بحقوقها السياسية التي يعطيها إياها تعدادها وانتشارها الجغرافي. وإن الحل يكون أولا في اعتماد المثالثة السنية – الشيعية – المسيحية في المؤسسات التشريعية والتنفيذية مما يعطيها حق النقض على كل القرارات التي لا تناسبها.
ماذا في الداخل اللبناني؟

لا يبدو على الرئيس السنيورة المتنقل بين مقاعد السرايا الكبيرة ليرتاح من الجلوس على الكرسي نفسه في النهار والليل، لا يبدو عليه أنه قلق من تغير في ميزان القوى في الداخل اللبناني لفرض الهدنة الحكومية الدائمة بدلا من التسوية الرئاسية التي يدعو للعمل عليها. لا يعترض الرئيس السنيورة على اقتراح نصاب الثلثين من النواب للانتخابات الرئاسية، الذي ورد على لسان الوزير الصفدي. بل يعتبره تصورا طبيعيا لشكل جلسة انتخاب الرئيس العتيد.
مع العلم أن مصادر دبلوماسية عربية ترى في إقرار الصفدي سببا لوقف الاغتيالات النيابية إذ لم يعد هناك من مبرر لأكثرية تحقق الانتخابات، بل صار التوافق بين المعارضة والأكثرية هو العنوان الوحيد للوصول إلى جلسة الانتخابات الرئاسية.
يستمع سعد الحريري زعيم تيار المستقبل، أكثر مما يتكلم فهو العائد من السعودية بعد غياب طويل لا يستغرب كلام الوزير الصفدي. بل يصغي باهتمام إلى طرح “الهدنة الحكومية” المواجهة للفراغ الرئاسي المحتمل.
يعرف الحريري أن “إقرار الصفدي” أنقذه من الإحراج الذي يشعر به تجاه حلفائه الموارنة المرشحين جميعا للرئاسة. فالتوافق مع المعارضة يعني قبولها بالمرشح الرئاسي مما يفسح في المجال أمام التفاوض دون تعريض تحالف قوى الرابع عشر من مارس إلى هزة رئاسية. لذا ما دام الرصيد متماسكا في هذا التحالف فلم الإسراع في استعمال الحساب الآخر أي الحكومة الآن؟
حمل وليد بك معه الهدوء من جدة حيث قابل العاهل السعودي واجتمع مع المعنيين بالملف اللبناني. بدا لجنبلاط هذه المرة أن لتاريخ والده مكانا في السعودية مما جعل لاستقلاليته مقعدا دائما في العلاقات السعودية- اللبنانية لذلك بدا إيجابيا وجديا في مناقشة الوضع الحكومي المواجه لاحتمال فراغ رئاسي، وأكثر قبولا لفكرة التوسيع، تحسبا لتطورات سياسية وأمنية ليست في الحسبان.
العماد ميشال عون يخوض معركة الانتخابات الفرعية في المتن على قاعدة أنها المدخل لحسم تمثيله الشامل للمسيحيين فإذا ربح مرشحه كان له درع التثبيت الذي يجعل من تمثيل غيره للموارنة نبأ قديما. وإذا خسر بقي ما لديه عنده. لذلك فهو يوجه مدفعيته السياسية نحو الرئيس السنيورة ويفتح باب التواصل مع سعد الحريري.

المعادلة صارت واضحة: إما توسيع حكومي تعتبره المعارضة معبرا إلزاميا نحو التوافق الرئاسي وإما إبقاء الوضع على ما هو عليه بانتظار “متغيرات سياسية” إقليمية تفتح الباب أمام التوافق الرئاسي في اللحظة الأخيرة أو تطيير الاستحقاق الرئاسي دون هدنة حكومية، فيأتي المجهول إلى البلد بدلاً من أن يذهب اللبنانيون إليه.