نهاد المشنوق » “مصر بعين لبنانية”، مركز عصام فارس- بيروت، لرفض ولاية الفقيه الشيعية والسنية

“مصر بعين لبنانية”، مركز عصام فارس- بيروت، لرفض ولاية الفقيه الشيعية والسنية

محاضرات 12 ديسمبر 2012 0

تعمدت في الاسبوعين الاخيرين متابعة مختلف الشاشات المصرية محاولاً فهم ما يحدث في مصر على لسان المصريين بمختلف اتجاهاتهم واختصاصاتهم وما أكثرها والحمدالله، لقناعتي أن قراءة النصوص الصامتة وحتى دراسات المتخصصين غير كافية للشعور بنبض الحياة السياسية التي تعيشها الأُم الشرعية للعرب والعروبة مهما حاول ملتزمون دينياً أو مثقفون ليبرالياً أو حتى حكاماً محدودي الآفاق، نزع هذه الصفة عنها.

أعترف أني بقيت لساعاتٍ يومياً متسمّراً أمام الشاشات، مشدوهاً بحيوية النخب المصرية أياً كان اتجاهها ومسارها وهي حيوية استثنائية بكل المقاييس. الشجاعة أولاً، الاندفاع ثانياً، والمعرفة العميقة بالملفات المطروحة . أما الجهل والتبسيط الشمولي لما يحدث تحت عنوان المؤامرة فهو كما تبيّن من مراقبتي من اختصاص الحزب الذي انتُخب منه الرئيس والذي لم ولن يستطيع أن يكون حزباً حاكماً بالمعنى المتعارف عليه في الانظمة الديمقراطية الحديثة الولادة.
أعترف أيضاً أني شعرت بالحبور والسرور والفرح وكل مفردات الثقة وأنا أشاهد المسيرات السلمية تتدفق في كل الاتجاهات لتطالب بالتغيير من ساحة التحرير إلى قصر الاتحادية إلى كل المواقع التي طالتها الانتفاضة الشعبية.

في قراءةٍ هادئة للمشهد المصري عموماً، وأياً كانت نتائج المرحلة المقبلة في مصر دستورياً، فإن حاكم مصر لن يستطيع مهما حاول الاستنجاد بالنص الإلهي والأنبياء والأولياء أن يتجاوز حقيقة أن الحرية بمعناها العميق- والتي أتت به رئيساً- ليست حقاً حصرياً له أو لحزبه، بل هي حقٌ لكل المصريين دون استثناء. وإذا كان يسيء استعمال نتائجها في الحكم اليوم، فإن الشعب المصري قد برهن أنه يتطور في استعمال الحرية كل يوم للصالح العام للدولة.

لم يعد مهماً- بالنسبة لي على الاقل- من يحقق الربح المرحلي، إذ ليس هناك من انتصارات في المراحل الانتقالية ، المهم ان هناك قواعدة أكيدة وجديدة لآلية القرارات التأسيسية لم تتبلور بشكلها النهائي بعد ولكنها ليست لصالح قدرة حزبٍ يحلم بأن يكون حاكماً أياً كانت صفته الإلهية.
وبما اني بدأت الحديث عن الصورة المنقولة على الشاشات سوف أشرح هنا رمزية أربعة من الصور رسخت في ذهني محاولاً عبرها اختصار قراءتي السياسية والدستورية.

نبدأ من الديكور في الصورة الاولى : الرئيس المصري المنتخب جالس وراء مكتبه بعد أن أحدث تغييرات شكلية دينية المضمون.
وضع القرآن الكريم على طاولته بشكل ظاهر وخلفه لوحتان لآيات قرآنية أضيفتا إلى الصورة في المكتب الرئاسي.
لماذا يحتاج رئيس مصر إلى رمزية القرآن الكريم بهذا الوضوح الهندسي وخلفه آيات قرآنية ليثبت أن مصر دولة إسلامية في غالبيتها العظمى عددياً وفي دورها الرائد التاريخي في الاسلام؟
الحقيقة أن الرئيس محمد مرسي أراد أن يربط صورته بالمقدّس من الدين أي المُنزل من عند الله جلّ جلاله، متجاهلاً أنّ الدين لا يحتمل إقحامه في مسار الأكثرية والاقلية الذي يتحكم بانتخاب الرئيس، ففي ذلك إفسادٌ للدين وتخريب للدولة معاً، وإخضاع كليهما لأهواء الحزب الحالم بأن يكون حاكماً.
لقد أراد أن يزرع الشك بين المصريين ودولتهم الأكثر استيفاءً لشروط الدولة-الامة، أراد أن يفتعل بينهم أزمة سياسية- دستورية عنوانها مشكلة الهوية، مشكلة تعريف الدولة(نظام الحكم وحدود السلطات)، وتعريف الشعب( من هو المصري، المواطَنة، الحقوق..) وتعريف الشرعية (تمثيل إرادة الامة وسيادتها). والاخيرة، أي تعريف الشرعية هي الاكثر استعصاءً، بالنظر إلى ما تضمره من خلطٍ بين شرعية دستورية، شرعية تاريخية، وشرعية ثورية، وشرعية فقهية- دينية، وكل واحدة من هذه الشرعيات في هذه اللحظة، مبهمة ومتضاربة فيما بينها. وفي هذه الحقيقة تأسيسٌ للقول أن أصل الازمة المصرية الراهنة، بوجهيها الإجرائي والسياسي، مصدره تضارب تلك الشرعيات وتنازعها على حق كتابة الدستور وصوغه.

هناك أمر مبدئي يتعلق بحق أحزاب الاسلام السياسي بالمشاركة السياسية استناداً الى المواطنة وحقوقها وحرياتها. ومن ضمن هذه المشاركةامكان الوصول لتشكيل الحكومات وتصدر الرئاسات. لكن هناك أمر آخر مبدئي ايضاً وهو يتعلق بالفروق بين النظام والدولة. فالدولة هي الضامنة للحقوق الاساسية والمساواة بين المواطنين فيها وهي الضامنة للتلاؤم مع المحيط ومع العالم والديمقراطية تشمل الامرين : الاستناد الى الثوابت التي لا تتزعزع في الدول، والاستناد الى مبدأ الاقتراع العام في تشكيل البرلمان والحكومات. ومن ضمن الثوابت الدستور بمبادئه العامة والاساسية ومن ضمن الثوابت فصل السلطات، واستقلال السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية.

فعلى الرغم من أن الجمعية التأسيسية أقرت في مسودة الدستور بمادته الخامسة أنّ:” السيادة للشعب يمارسها ويحميها ويصون الوحدة الوطنية وهو مصدر السلطات”، الا أن 9 من أعضاء الجمعية خرجوا من الإجماع ورفضوا تلك المادة التي يصح وصفها بأنها أم الدستور وركنه. أولئك الاعضاء التسعة هم من السلفيين الذين يوكلون السيادة ومصدر السلطات الحاكمية للّه جلّ جلاله، متجاهلين مرة أخرى أن الدساتير إنما تكتبها الامة جمعاء عبر ممثّليها، بأغلبيتها وأقلياتها، وتكون صياغته حائزة على إجماع أولئك الممثلين قبل طرحه على الاستفتاء العام. غير أن الجمعية التأسيسية المصرية التي أنيط بها كتابة الدستور، وبعد انسحاب ربع أعضائها،

اتصفت بهيمنة الإسلاميين، أو أحزاب الاسلام السياسي، مستبعدةً بذلك الكنيسة القبطية والأقليات الأخرى والتيارات المدنية والليبرالية واليسارية والقومية واليسارية والمستقلين وممثلي الفئات المهنية كالاقتصاديين والفلاحين والصناعيين والحقوقيين..إلخ، وبدا واضحاً أن السلطة السياسية ( الاخوان المسلمين) هي التي تنفرد وحدها بإنشاء الدستور، من غير فصل بين الاغلبية الانتخابية للسلطة وبين تمثيل إرادة الامة ووحدتها.
الأغرب في نصوص بعض المواد الدستورية انها تحيل تطبيق مضمونها أو تفسيره الى قانون لم يصدر بعد. مع العلم أن الدساتير في مضمونها التأسيسي هي فوق القوانين ولا يجوز إحالة تطبيقها الى قوانين سابقة أو لاحقة.

الصورة الثانية : وهي الاهم المؤتمر الصحافي الذي عقده المرشد العام للاخوان المسلمين الدكتور محمد بديع محاطاً بأركانه واقفين وكأنهم حرس الإله الفرعوني.

استطاع الدكتور بديع – الذي تعرفت اليه شخصياً في بيروت – ان يقسّم الشعب المصري الى شعبين بأسرع ما يمكن لاي حزب حالم بأن يكون حزباً حاكماً أن يفعل. بكل بساطة قال 40 أو 50 مليون يؤيدون الاخوان والملايين الثلاثين الباقية على الاقل متخلية عن وطنيتها ومنفصلة عن الثورة التي يدّعي المرشد العام ان حزبه وحده قام بها.

وعلى ايقاع الوعيد والتهديد اعتبر بديع أن من انتخب الفريق أحمد شفيق الذي نال 49 بالمائة من أصوات الناخبين، اعتبر هؤلاء الناخبين منفصلين عن الثورة، تحت نظرية الاخيار والاشرار.
وان الدكتور محمد البرادعي دمرّ العراق اثناء رئاسته للوكالة الدولية الطاقة الذرية ولم يعش في مصر وبالتالي لا يملك حق التعبير عن آراء المصريين. ولم تشفع عروبة عمرو موسى ولا ناصرية حمدين صباحي لهما عند المرشد العام.
يستند المرشد العام في عليائه الكلامي الى ثلاثة عناصر.

العنصر الأول : هي كلمة الشورى التي يترتب عليها بروز قوى مستقلة عن الشعب ومتعالية عليه كمساهم في كتابة الدستوروهي صيغة مستقاة من التجربة الإيرانية التي وضعت أسسها الدستورية أيام الراحل الإمام الخميني وتعتمد على هيئات أو أسماء مختارة من السلطة بدل أن تكون منتخبة من قبل الشعب وممثلة لمختلف اتجاهاته ومكوناته مما يفتح الباب واسعاً امام ولاية دينية على أهل السنّة للمسلمين تشبّهاً بمثيلتها في ايران أي ولاية الفقيه المختلف حولها والمسبّبة للكثير من الاضطرابات السياسية داخل المجتهدين من المسلمون الشيعة والانشقاقات المذهبية داخل المجتمعات العربية.

صحيح أن شيخ الأزهر الحالي يتمتع باحترام كبير وبمصداقية وطنية عند الغالبية العظمى من المصريين. لكن النص الوارد في الدستور بشأن الأزهر لا يستند الى الشيخ الموجود الان في سدّة الأزهر الشريف بل يراد من النص افتعال استقلالية مبالغ بها تحت عنوان ” الإسلام هو دين الدولة”، بمادة أساسية كاملة (المادة الرابعة) فجعلته هيئة إسلامية مستقلة،
أي هي متصلة بالأمة الإسلامية بما يتجاوز حدود الدولة وسلطتها وقوانينها، وربما تعلوها مكانة وقدرة ونفوذاً، وهي معصومة من القوانين العامة باستقلالها، فالأزهر ـ حسب تلك المادة ـ “يختص وحده بالقيام على كافة شؤونه” وعلى الدولة كفالة “الإعتمادات المالية الكافية لتحقيق أغراضه”، وشيخ الأزهر “مستقل غير قابل للعزل والشريعة هي مصدر التشريع والقوانين، وللأزهر حق رقابة ونقض كل قانون لا يتواءم مع الشريعة الذي له وحده حق تفسيرها، علاوة على ما أضافته مسودة الدستور على دستور 1971 في مادة دين الدولة الإسلام مادة تفسيرية هي “مبادىء الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة في مذاهب أهل السنة والجماعة. في خلط واضح بين الدستور والعقيدة الذي لا نجده في الدساتير عموماً الا في الدستور الايراني الذي نص على الاثنا عشرية كدين للدولة. في المسارات المستقلة وممارستها وبسبب عموميتها قد تفرّط النص المصري بروابط المواطنة ونعود بالتالي الى نظام الملة والجماعات.
يؤكد هذا المنحى أن صلاحيات هيئة كبار العلماء محالة الى قانون يتولى وضعه وتسويقه في فترة لاحقة الرئيس مرسي.
هذا التمييز مثلاً لا يقابله ما يوازيه للكنيسة القبطية، ولا للأقليات الدينية الأخرى، ما يطعن مجدداً بالنصاب السياسي الجامع، وبالمساواة وبوحدة الشعب.

العنصر الثاني : هو الجيش الذي حظي بحماية دستورية لم يسبق لها مثيل، وهي، حسب تقرير معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، عبارة عن “صفقة واضحة بين الرئيس وحزبه من جهة وضباط الجيش من جهة أخرى، لضمان إقرار مسودة الدستور”.
يمنح الدستور الجديد استقلالاً ذاتياً نسبياً للجيش، فالمادة 195 تنص بأن وزير الدفاع هو القائد العام للقوات المسلحة، و”يعين من بين ضباطها”، وبالتالي يجنب القوات المسلحة الرقابة المدنية (البرلمانية). وكذلك تنص المادة 197 على إنشاء “مجلس الدفاع الوطني” لمناقشة موازنة القوات المسلحة، يغلب عليه العسكريون، وينكفئون فيه وبه على سياستهم ومصالحهم وموازنتهم، المحجوبة عن الشعب ونوابه ومراقبة إدارته وقضائه المالي. والمعلوم أن للجيش مرافق اقتصادية واستثمارية تساهم بما يوازي عشرين في المئة من مجمل الناتج القومي.

العنصر الثالث : بحسب المرشد العام هو استغرابه الشديد بان الازمة السياسية – الدستورية جاءت في الوقت الذي انهالت فيه مكالمات التهنئة الدولية – وهو بالطبع يقصد الاتصالات الاميركية – انهالت على الرئيس لدوره في تحقيق وقف اطلاق النار في قطاع غزة بين الفلسطينيين والاسرائيليين. يضمر المرشد العام في كلامه ما نقله لي مسؤول عربي عن عصام حداد مستشار الرئيس للشؤون الخارجية بأن اتصالاتهم بالادارة الاميركية مستمرة وودية وعميقة مستهجناً تحرّك الشعب المصري وقياداته التي يفترض الدكتور حداد انها تلتزم بالسياسة الاميركية في وجه قرارات الرئيس السياسية والدستورية.

الرواية الثانية التي تدل على استعمال السلطة في سبيل نصرة اهل العقيدة الحزبيين دون غيرهم هو ذهاب كبير الاخواني النافذ – خيرت الشاطر – الى الاردن لدعم الاخوان المسلمين الاردنيين في وجه الدولة وحين فشل في مسعاه مع رئيس الحكومة لتعديل قانون الانتخابات قامت الدولة المصرية بتخفيض تزويد الاردن بالغاز المصري الى ما نسبته 18 بالمائة
من أصل الاتفاق المعقود بين البلدين، مما رتب على الخزينة الأردنية اعباء مالية اضافية بالمليارات الدولارات في مجال الكهرباء. في الوقت الذي حافظت فيه الدولة المصرية على تعهدها تجاه اسرائيل بتزويدها ما اتفق عليه من الغاز.

وهو ما عبر عنه عاهل الاردن في أحاديث صحافية ودفع الحكومة الاردنية الى اعلان اجراءات ترحيل أكثر من نصف مليون مصري يعملون في المملكة الاردنية.

الصورة الثالثة : فولكلورية نسبياً وهي دعوة وزير الدفاع الى لقاء اجتماعي في احدى مقراّت القوات المسلحة يحضره رئيس الجمهورية وحكومته وزعماء المعارضة واعلاميين. وبعد ارتباك بين رفض الرئاسة لدعوة عنوانها الحوار السياسي وقبولها بعد تجميلها بعنوان التواصل الاجتماعي تلغى الدعوة التي كشفت مدى الانقسام الحاد الذي حققه الحزب الحالم بأن يكون حزباً حاكماً بين شعب الحزب والشعب المصري ، مما وضع الرئيس المنتخب أمام احتمال ولو لم يتحقق بمناقشة المعارضة في مقر الجيش الذي أكد في بيانه وقوفه على مسافة واحدة من اطراف الازمة.
بذلك يكون الرئيس قد فقد صفة الجامع الوطني للشعب المصري في زمن قياسي لا يتعدي الاشهر الثلاث.

الصورة الرابعة : من الشاشات المصرية: تجمع النخبة العلمية والسياسية والدستورية على الخطيئة المرتكبة في الكتابة الفئوية للدستور وفي التفرّد السلطوي للاعلان الرئاسي الدستوري.
اما الاهم في الرابع من الصور فهو هذا الشعب المصري العظيم المسكون بالحرية، التي استحقها في ثورته الاولى والمنادي بها في كل المدن والشوارع تحقيقاً لثورته الثانية.
لقد كانت الاعادة. ” على الطريقة السينمائية ” أفضل بكثير في ميدان التحرير.

بغض النظر عن نتائج الإستفتاء، فإن النتائج الأولى للمواجهة ظهور الفارق في أذهان العامة بين الإسلام والإسلام السياسي، والفارق بين الإنتماء الديني والهوية السياسية الجامعة. وبهذا قد يربح الإسلاميون الدستور مثلاً ولكنهم سيخسرون قدرتهم على التفاهم مع المجتمع، بل ويمكن التعويل على الأزمة إيجابياً بوصفها استئنافاً لمعركة عصر النهضة، معركة الإصلاح الديني المؤجل منذ ذلك الحين.
السيناريو الآخر هو نجاح التحالف الإخواني والجيش وترتيب نظام حكم مديد يعيد إنتاج آليات التمييز والقمع ونظام الإستبداد، أي يعيد اغتراب الشعب عن السلطة والسياسة، وينهزم التيار المدني ويتأجل التحول الديموقراطي إلى حين. لكن هذا إن نجح،

سيكون مؤقتاً، إذ لم يعد ممكناً أن يعود الإستبداد ديناً طبيعياً للسياسة في العالم العربي. فهذه الثورات ليست انقلاباً واستيلاء على السلطة، إنها بداية مسار طويل من التحولات والعقبات والمعضلات التي تنتظر الحل.
أما الإفتراض الأخير فهو ثبات انقسام المجتمع بحدة لا حسم فيه، قد يكون أسوأ من الإنقسام اللبناني بين 8 و14 آذار أو نظيراً له، حيث ينتصب الإفتراق الكبير بين شطرين أومجموعتين شعبيتين مؤدلجتين ولدى كل منهما نظام قيم مضاد للآخر.

انا أرجح السيناريو الثالث الذي ستطحن فيه قدرة النظام الاخواني على تلبية حاجات الشعب المصرية الملّحة وستستنزف فيه حيوية المعارضة على القيام بحركة دائمة وفعّالة دون التسبّب بفوضى.
كلاهما لن ينجح. لا الحكم الاخواني في الانجاز ولا المعارضة بالاستمرار سلمياً دون الوقوع في فخ الفوضى الذي ستنصبه لها الاجهزة السلفية والاخوانية.
لكنني رغم ذلك كثير التفاؤل بأن الحيوية السياسية المصرية الداعمة للحرية شعباً ونخباً ستنتصر انما بعد مخاضٍ عسير وطويل

وإذا كان للبناني أن يقول عبارة في النزاع السياسي ـ الدستوري، المندلع اليوم في مصر، فهي عبارة: الميثاق الوطني. الميثاق هو تعريفاً يسبق الدستور وكتابته، بل وينسِّبه إلى أصلٍ وإرادة. فكل دستور إذ يصبو إلى إقامة نظام سياسي ديموقراطي وفق مبادىء المواطنة والمساواة بين المواطنين وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان وصون الحريات الفردية
والحريات العامة، يجب أن ينبثق أولاً من الإقرار بسيادة الشعب وولايته العامة، وبتبعية السلطات له بل وصدور هذه السلطات عن الشعب.
وشعب الدستور هذا، الذي يولد من الدستور ذاته إعتبارياً، منذ لحظة كتابته، هو وليد مداولات المتعاقدين بعقد اجتماعي، يُنشىء رابطة وطنية ليست موروثة تماماً بل مصنوعة ميثاقياً من تعاقدهم بارادتهم الحرة.

.