نهاد المشنوق » “محاربة الإرهاب: وجهة نظر لبنانية”، محاضرة في “مركز ويلسون” في واشنطن

“محاربة الإرهاب: وجهة نظر لبنانية”، محاضرة في “مركز ويلسون” في واشنطن

محاضرات 25 مارس 2015 0

أكّد وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق أن الشرق الاوسط أمام مفترق طرق وجودي، معرباً عن قلقه من استمرار التصرفات الايرانية حتى بعد الوصول الى اتفاق حول برنامجها النووي، لافتا الى ان أحداث اليمن تذكير بالنوايا الحقيقية لايران.
واشار في محاضرة له باللغة الانكليزية في مركز ويلسون في العاصمة الاميركية واشنطن الى انه لا يمكن الاعتماد على محاربة تطرف مذهبي بتطرف مقابل، مؤكدا ان الإسلام دين التسامح والاعتدال، وعرض لاستراتيجية مكافحة الإرهاب التي تقوم على “ثالوث ذهبي”: الوحدة الوطنية، الاحترافية في القطاع الأمني، والشجاعة العقائدية.
وأكد انا لا زلنا متمسكين بلبنان حر وسيد وديمقراطي على الرغم من عشر سنوات من الترهيب والاغتيالات السياسية.

وفي ما يلي الترجمة الحرفية للكلمة التي ألقاها الوزير المشنوق أمام مركز ويلسون في العاصمة الأميركية واشنطن:

قبل الخوض في قضية الشرق الأوسط المضطرب ومناقشة التحديات الكثيرة التي توادهها المنطقة العربية وبلدي لبنان، اسمحوا لي أن أعرب عن امتناني العميق لمركز ويلسون ورئيسته السيدة جين هارمن اللذين أتاحا لي هذه الفرصة لمخاطبة هذا الحضور المتميّز.
كما أتوجه بالشكر إلى السيدة هاله أصفندياري وصديقتي آمال مدللي على هذه الدعوة.

أعتقد أننا نعيش أوقاتاً استثنائية وصعبة. يواجه لبنان والمنطقة العربية خطراً غير مسبوق. ما يسمّى الدولة الاسلامية هي تهديد لاستقرار وأمن المنطقة بأكملها، والعالم. إن أشرطة الفيديو البشعة عن عمليات الحرق وقطع الرؤوس تذكرنا بالخطر الذي يشكله هذا التنظيم الوحشي علينا جميعنا.

السؤال الذي على الجميع أن يطرحه اليوم هو : كيف يمكن للعالم أن يهزم “داعش”؟

لا شك في أن الضربات الجوية التي يشنّها التحالف الدولي هي شرط ضروري لإضعاف وهزيمة “داعش”. لكن هذه الضربات الجوية وحدها ليست كافية. تتطلب هزيمة “داعش” وغيرها من التنظيمات الارهابية، حرمان هذه التنظيمات من قدرتها على جذب المناصرين. تتغذى “داعش” على المآسي ومشاعر الغضب والاقصاء التي تعتري المجتمعات السنّية خاصة في العراق وسوريا.
وحده الحل السياسي قادر على سحب البساط من تحت أقدام “داعش”. هذا يعني الاشراك العادل لجميع العراقيين والسوريين في النظام السياسي، والجيش الوطني غير المذهبي، وضمان سلامة وكرامة الشعب. علينا أن نتأكد من هزيمة “داعش” نهائياً من الداخل.
وحدها الجيوش الوطنية التي تضمّ الجميع، وليس الميليشيات المذهبية، قادرة على محاربة “داعش” من دون جعل المشكلة أسوأ مما هي عليه اليوم.
إذا بقي نظام الأسد في السلة واستمر النظام السياسي العراقي كما هو يعمل اليوم، لا يمكن لأي قدر ممكن من الضربات الجوية هزيمة “داعش”.
لا يمكننا الاعتماد فقط على التطرّف المذهبي لمحاربة تطرّف مذهبي مقابل.

اضاف: لبنان قد يكون أكثر دولة في العالم العربي اليوم، بحاجة ماسة لاستراتيجية شاملة لاستئصال تهديدات الارهاب وتحصين نفسه من تداعيات العنف الذي يطوّق حدوده.
لطالما دفع لبنان ثمن الخلافات الإقليمية والتدخل في شؤونه الداخلية. تعتبر إيران لبنان اليوم جزءاً من منطقة نفوذها وسياساتها في لبنان تزعزع استقراره وتقسّم بلدنا. تفاوض إيران المجتمع الدولي حول برنامجها النووي من جهة، فيما تستمر من جهة أخرى في توسيع نفوذها في المنطقة بدءاً من العراق إلى اليمن، وصولاً إلى لبنان، سوريا والبحرين.والأنباء المقلقة من اليمن اليوم، تذكير بالنوايا الحقيقية لإيران.
هذه واحدة من الأسباب الرئيسة لنمو التوتر المذهبي في بلادنا. نأمل أن يؤدي أي اتفاق مع إيران إلى تغيير في سلوكها تجاه جيرانها.

وحول المسألة النووية، نشجّع وندعم أي مبادرة تهدف إلى تخليص الشرق الأوسط من تهديدات الأسلحة النووية والكيمائية. نقف بقوة ضد سباق التسلّح النووي في الشرق الأوسط وأي منطقة أخرى من العالم.
وبعد هذا، فما يقلقنا في لبنان والعالم العربي ليس الخطر الأمني الوجودي الذي تشكّله إيران النووية، فالقلق أيضاً هو احتمال استمرار إيران بتصرّفاتها الحالية في المنطقة حتى بعد الوصول إلى اتفاق. نخشى أن يؤدي رفع العقوبات إلى توفير المزيد من الأموال والموارد للحكومة الايرانية لزيادة تدخّلها ونفوذها في المنطقة، وتساهم في تصاعد التوتر المذهبي والتطرّف.

منذ آذار 2011، كان لبنان يدفع ثمناً باهظاً للنزاع في سوريا وصدّ مخاطر امتداده، ويعاني نتيجة التدفق الهائل للاجئين إليه ، مع وجود أكثر من مليون ومئتي ألف لاجئ سوري على أراضيه، أصبح لبنان أكثر دولة في العالم تضم لاجئين نسبة إلى عدد سكانه.
كما أرخى الصراع في سوريا بثقله على الاقتصاد اللبناني، الخدمات العامة وبنيته التحتية. بين العامين 2012 و2014، سجّل لبنان خسائر على الناتج المحلي الاجمالي بقيمة 5،7 مليار دولار. لقد دأبت “داعش” و”جبهة النصرة” على مهاجمة مراكز الجيش على الحدود اللبنانية، وفي آب 2014، خطفت المجموعتان جنوداً وعناصر شرطة لبنانيين.

لقد عملنا في لبنان من دون كلل من أجل وضع إستراتيجية شاملة لهزيمة الارهاب، تقوم على ثلاثة ركائز أساسية:الوحدة الوطنية، الاحترافية في القطاع الأمني، والشجاعة العقائدية.

الركيزة الأولى في استراتيجية محاربة الارهاب هي تعزيز الوحدة الوطنية.

منذ العام 2005، كان لبنان يبحر في مياه هائجة. اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في العام 2005، الحرب الاسرائيلية ضد “حزب الله” في العام 2006، سيطرة “حزب الله” على بيروت في العام 2008، والحرب السورية وغيرها من التوتران الاقليمية، كل ذلك ساهم في تعطيل عمل نظامنا السياسي وزاد من التوترات المذهبية والطائفية.

نحن كمجموعة سياسية وتحالف سياسي لا نزال ملتزمين بلبنان حر، سيد وديموقراطي رغم عشر سنوات من الترهيب والاغتيالات السياسية.

لقد فشل البرلمان اللبناني خلال الأشهر العشر الماضية في انتخاب رئيس جديد للجمهورية. لقد تأجلت الانتخابات البرلمانية مرتين، وكانت الحكومة الحالية التي تألفت منذ عام تقريباً، الجسم السياسي الوحيد العامل في لبنان.
انتخاب رئيس جديد ليس شرطاً ضرورياً لضمان حسن عمل نظامنا السياسي فحسب، بل هو شرط مسبق لنجاح إستراتيجية مكافحة الارهاب.
الرئيس اللبناني هوالرئيس المسيحي الوحيد المنتحب في الشرق الأوسط. إن حماية مؤسسة الرئاسة في لبنان وتعزيز الوحدة الوطنية، يعزّزان فرادة النموذج اللبناني خلال هذه الأوقات العصيبة من التطرّف الديني والتعصّب الطائفي في الشرق الأوسط.
لقد بادر “تيار المستقبل” الذي أنتمي إليه إلى الانخراط في حوار مع “حزب الله” رغم جميع الخلافات الأساسية بيننا. ساعدت جولات الحوار هذه على تأمين بيئة مستقرة وتخفيف التوتر السني الشيعي وسمح لنا في منع انتقال الأزمة الإقليمية إلى لبنان.

الركيزة الثانية من إستراتيجيتنا لمحاربة الارهاب، هي تحسين مهنية القوى الأمنية في لبنان. نحن نواجه عدواً غير تقليدي.وهذا يتطلّب تحسين القدرات التحليلية والاستطلاعية لأجهزتنا الأمنية. لسنا بحاجة لمحاربة المجموعات الارهابية فحسب، بل إجهاض عملياتها في وقت مبكر.
لقد تمكنا، خلال العام الماضي، من تحسين عمليات التنسيق والتعاون بين الجيش اللبناني والقوى الأمنية الأخرى.
كما استفاد لبنان من الدعم السخي ومساهمات أصدقائه، خصوصاً المملكة العربية السعودية. لقد تبرّعت القيادة السعودية بمبلغ أربع مليارات دولار من أجل شراء أسلحة فرنسية للجيش اللبناني، وتدريب وتجهيز القوى الأمنية اللبنانية الأخرى.
لم يكن لبنان بغنى عن الدعم الذي يتسلّمه من أصدقائه في الولايات المتحدة الأميركية. أصبح لبنان اليوم خامس أكبر مستلم للمساعدات الأميركية العسكرية الخارجية. ونظراً إلى التحديات التي تنتظرنا، علينا أن نعمل معاً أكثر من أجل ضمان زيادتها نسبة للمخاطر التي نواجهها معاً. محاربة عدو غير تقليدي مثل “داعش” يتطلب تطويراً واسعاً للبنية التقنية لدينا، زيادة في التدريب وبناء القدرات لقواتنا العسكرية والأمنية.

الركيزة الثالثة من استراتيجة محاربة الارهاب هي الشجاعة العقائدية. محاربة “داعش” والمجموعات الارهابية الأخرى، تتطلب دعماً قوياً وانخراطاً من علماء دين وخطباء شجعان.
إحدى الشروط الرئيسية لهزيمة “داعش” هي تدمير خطابها الديني والثقافي. نجن بحاجة ماسة إلى ثورة عقائدية تستعيد روح الاسلام إلى مسارها الصحيح، دين سلام، تسامح واعتدال.

هذا الثالوث الذهبي- كما أحب أن أسمّيه- يقارب وسائل هزيمة “داعش” والمجموعات المماثلة.

إن مناقشة التحديات الأمنية والسياسية التي يواجهها لبنان والمنطقة حالياً، يجب أن لا تلهينا عن الاستمرار في الإضاءة على البعد الانساني للحرب السورية، وخصوصاً البعد الانساني لأزمة اللاجئين السوريين.
يمضي اللاجئون السوريون اليوم شتاءهم الرابع في مخيمات رسمية وغير رسمية، شقق غير منتهية البناء، ومواقف سيارات. أكثر من عشرة ملايين سوري فروا من مساكنهم منذ بداية الثورة السورية في آذار 2011، ولجأوا إلى الدول المجاورة مثل لبنان، تركيا والأردن.

واستناداً لمفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، أكثر من ثلاثة ملايين سوري لجأوا إلى تركيا، لبنان والأردن، في حين أن الباقين تهجّروا في الداخل السوري.

كنا نبذل كل ما في وسعنا من أجل ضمان عيش آمن وكريم لضيوفنا السوريين. غير أن لبنان كان يحمل ثقلاً فاق بكثير قدراته، ونستحق الدعم الكامل للمجتمع الدولي الذي عليه أن يشارك في تحمل أعباء هذه المأساة التي لا توصف.
اسمحوا لي أن أكون واضحاً .. الشرق الأوسط أمام مفترق طرق وجودي.

التحديات والمخاطر تهدد المنطقة بأكملها. تهدد بنيات الدول، النسيج الاجتماعي ووجود المجتمعات التعددية.
لتجنّب هذه المخاطر المحدقة، فإن الولايات المتحدة الأميركية والمجتمع الدولي مدعوون – وقد أقول مجبرون – على دعم ومساندة الاستراتيجية التي عرضتها. إذا فشلنا في هزيمة الارهاب، فإن التطرف الديني والتعصب الديني سينتصران، وسيتغيّر الشرق الأوسط نهائياً. معاً، يمكننا ضمان عدم حدوث ذلك.