نهاد المشنوق » كلمة وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق في مجلس وزراء الداخلية العرب 35

كلمة وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق في مجلس وزراء الداخلية العرب 35

كلمات 07 مارس 2018 0

صاحب السموّ الأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف، الرئيس الفخري لمجلس وزراء الداخلية العرب، الذي يستحق قبل كل شيء التهنئة على تسلّمه هذا المنصب، وهو سليل المؤسّس الراحل الكبير الأمير نايف بن عبد العزيز رحمه الله، الذي استطاع أن يؤسس لهذا الاجتماع ولدوراته الـ35 حتى الآن، نتذكّره دائماً، ونحن على ثقة بأنّ خصال وأفكار وقدرة المؤسس ستتجسّد في سلوك الأمير عبد العزيز وقيادته لاستمرار هذا الاجتماع وهذا المجلس لكلّ الضرورات العربية التي نعرفها.

معالي الوزير رئيس الجلسة وزير الداخلية الجزائري، معالي الأمين العام الدكتور محمد بن كومان، أصحاب السموّ، أصحاب المعالي والسعادة، أيها الحضور الكريم،

آتي إليكم اليوم من بيروت الحبيبة، الصابرة، الآمنة والمستقرة، رغم التحديات السياسية والأمنية التي تواجهها.. آتي إليكم من لبنان الذي أثبت للعالم أن لا بيئة حاضنة للإرهاب بين أهله أبداً، وأن أجهزته الأمنية وقيادته السياسية، استطاعت، رغم الإمكانيات المحدودة، أن تحفظ الأمن وأن تنأى به عن حرائق المنطقة التي تحيط بلبنان وأحرقت عواصم وحواضر عربية… لبنان العربي الذي يتطلع شعبه دائماً وأبداً إلى دور عربيّ فعّال في سبيل المحافظة على تثبيت عناصر قوّته، السياسية والأمنية، التي هي مصدر فخر لنا ومصدر غنىً لكلّ العرب.

للدورة الخامسة على التوالي أقف، بين زملاء وأخوة عرب في هذا التجمع المهم الذي بات، مناسبة سنوية نتبادل فيها شجون الأمن وهموم الأمان في منطقة مشتعلة بكل أنواع الحرائق.
خمس إجتماعات أذكر منها حسن التشخيص بشأن ما يتعلق بالتحديات الأمنية، والكفاءة في تحديد المخاطر الناجمة عن الارهاب، ومشاركاتنا جميعاً في اقتراح الحلول وخطط المواجهة.

تحدثت قبلاً من على هذا المنبر عن ضرورة تشكيل نواة أمنية صلبة، تكون حجر الزاوية في التعاون الأمني العربي المشترك، ودعوت في أكثر من إجتماع لتفعيل الأطر الفكرية المتاحة، بين مكة المكرمة والأزهر الشريف، لتأصيل الشجاعة الفقهية وتحويلها الى برنامج فقهي ومعرفي وثقافي في مواجهة الارهاب.
ناقشت أعراض ضعف الدولة الوطنية وتفكك المجتمعات في دول الحرائق، وعرضت لظواهر الانتحاريين التي أبتلينا فيها في لبنان، في ذروة الحرب في سوريا وعليها وعلى شعبها. وعرض زملاء لي في هذه الإجتماع ما هو أهم ربما وأكثر تفصيلاً، كل من وجهة نظر حكومته وفي ضوء تجربة بلده ومجتمعه.
وُفّقنا كما أسلفت، في التشخيص والعرض كما في تخيل الحلول الممكنة، غير أن الصراحة والمصارحة تلزمني أن أعترف أن ما حققناه قليل، بالقياس الى الإمكانات الكامنة في مثل هذا الاجتماع وفي الدول التي يمثلها الحاضرون في هذا الاجتماع.
في لبنان لا زلنا نعمل بقوى ذاتية، وبجهودنا الذاتية، وبحدّ أدنى أو أقل من التكامل مع جهود الدول الاخرى لا سيما الدول العربية الا أنني كنت وما زلت وسأظل أصر على ضرورة وأولولية تشكيل نواة أمنية صلبة تكون العامود الفقري لعقل أمني جديد ولعمل أمني إستباقي تكاملي، هو وحده القادر على إحداث نقلة نوعية في الحرب على الارهاب.
إن كنّا وحدنا في لبنان وبامكانياتنا الضئيلة استطعنا، فكيف إن تكاملت الجهود مع النخوة العرب. نعم نستطيع ونستطيع أكثر معاً. لا عذر لنا أن لا نكون معاً متكاتفين متكافلين لصناعة مستقبل أفضل لدولنا ومجتمعاتنا.
أصارحكم اليوم بالحقيقة: قلة منا تستشعر هذه الحاجة للتعاون الجاد أكثر من لبنان. فما نواجهه نحن، في هذه الحرب، يتقاطع مع كثير من خصائص الحرب التي تواجهها دول شقيقة أخرى. لكن ما يزيد عندنا عن الآخرين هو الاثقال الإضافية التي تمثلها أزمة أكثر من مليون ونصف المليون نازح سوري، أحدثت خللاً عميقاً في التوازن الاقتصادي الإجتماعي وفائضاً مرهقاً في الاكلاف المباشرة وغير المباشرة التي تتحملها الدولة، شعباً ومؤسسات.
وعليه قررت الحكومة اللبنانية اللجوء الى صيغة المؤتمرات الدولية، لطرح مشكلة لبنان وحاجاته الأمنية والسياسية، ونحن نتطلع شاكرين، لمشاركة عربية قوية وتوفير كل اشكال الدعم الممكن للدولة ومؤسساتها، لا سيما الأمنية، كشكل من اشكال الحدود الدنيا للتعاون الذي أشرت اليه منذ قليل. فمهما واجهتنا صعوبات سياسية تبقى المؤسسات الشرعية اللبنانية هي الثابت الأهم والجهة الوحيدة الضامنة لأمن كل لبنان وكل اللبنانيين، ولصيانة سيادته.
فنحن في لبنان نسعى جاهدين، وسيتضح أكثر بعد الإنتخابات النيابية التي ستجري في الشهر الخامس من هذه السنة، الى أن تكون الدولة هي الجهة الوحيدة التي تحتكر قرار استعمال السلاح في الحرب والسلم، من خلال تفاهم اللبنانيين على استراتيجية دفاعية وطنية في لبنان.
إسمحوا لي أن أتجاوز بروتوكول طلب الدعم وفق ما يطلب شقيق من شقيقه. لبنان أيها الأخوة، كما مسؤولية لبنانية، فهو مسؤولية عربية منذ سنوات طويلة وخطّ دفاع أوّل عن العرب. فقد تبيّن أنّ أمنه يضمن جزءا مهما من الأمن الاستراتيجي لكل العرب على حدّ سواء. ولبنان العربي لم ولن يسمح بأن يكون شوكة في خاصرة العرب، ولا يجب أن تيأسوا وتستسهلوا تسليم لبنان للمشروع الإيراني أو لغيره من المشاريع. من يسلم لبنان يسلم نفسه، وهذا هو درس التاريخ الذي تعلمناه معاً بكلفة عالية عالية عالية.
في مكتبي لوحة فنية لفنان لبناني أرخ تفجير السفارة الأميركية في بيروت عام ١٩٨٣. إقتنيت اللوحة لأنها تؤرخ للحظة مشهدية كبرى تعلن ولادة الدور الاقليمي في لبنان والمشرق العربي. كثيرون من الاخوة العرب لم ينتبهوا لهذه الولادة، وكثيرون أشاحوا بأنظارهم إما لأن هذا الدور اتّخذ العداء من لإسرائيل عباءة للمشروع الإيراني أو لغيره، وإما لأن المشهد معقد ومكلف وتفاصيله متعبة.
التجاهل وعدم الانتباه أوصلنا الى هنا. فهل نكمل بنفس الطريق أم نعيد تشكيل وعينا للأزمة والمخاطر ونعير ترتيب حساباتنا؟
نعم، الثابت في أحاديثنا خلال السنوات الاربعة الماضية، هو التركيز على التمدد الايراني كواحد من أسباب الازمة الأمنية والسياسية في دولنا ومجتمعاتنا. ولو وضعنا جانباً عاصفة الحزم، التي أطلقها خادم الحرمين الشريفين الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز، لما وجدنا غيرها كإطار للمواجهة. وهو أطلقها ليس حبّاً بالحرب، بل لأنّه يعرف الوضع في المنطقة ولأنّها كانت الحل الوحيد لمواجهة التمدد الإيراني في اليمن، بصرف النطر عن الخلاف حول طبيعة الحرب او رفضها او الحديث عن اكلافه… لكن عندما تشتعل النار في الحديقة الخلفية لأيّ دولة لا يستطيع احد ان يزايد عليها بمدى اهمية او صوابية هذه الحرب…
الثابت عندي، أن هذا التمدد لم تنجح في أن يكون عامل استقرار وإنماء في أي بقعة وصل اليها، فالدور لم ينتج إلا الأزمات، حتى حين توفرت لها بيئات حاضنة مناسبة… كلّ هذا صحيح، لكنه لا يعفينا من السؤال، عن ماذا فعلنا في المواجهة مع إيران أو في الحوار معها؟
إن حجم حضور المشروع الإيراني في أزمات دولنا ومجتمعاتنا يستوجب إستراتيجية مشتركة تتجاوز الحد الأدنى، من التوافق والتفاهم، وكل تأجيل في هذا المقام هو هدية مؤسف لمشروع التمدد.
فوق كل ذلك نحن نعيش في بيئة إستراتيجية دولية، متغيرة تستوجب المزيد من التنسيق والعمل المشترك. فقد صارت سوريا، مثلاً، ملعباً للقوى الكبرى وساحة لتصفيات الحسابات الدولية. يحصل ذلك على ارض عربية، ويتخذ من قضية عربية مادة له، ومن المقدرات العربية ثمناً له أكان هذا الثمن أرواحاً تزهق كما في الغوطة الذبيحة او موارد تبدد في العمران والاقتصاد.
ما تقدم يختصر بعضاً من عناصر التحدي التي تواجه دولنا ومجتمعاتنا، ويوجز البيئة الخصبة التي تتربى فيها آفات الانهيار والارهاب والجريمة المنظمة. إنها حلقة متكاملة لا نملك ترف مواجهتها بالفراغ الاستراتيجي العربي ولا بالاعتقاد أن ثمة نجاة فردي لهذه الدولة أو تلك في عالم اليوم.
لكل هذا تابعت باهتمام خاص زيارة سمو ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الى مصر الحبيبة، بكل رمزيتها على مستوى الدولة والأزهر الشريف والكنيسة القبطية المباركة. إن هذا التعاون المصري السعودي الذي لطالما دعوت اليه، يشكل بارقة أمل تبدد مخاوفي من الفراغ الاستراتيجي، وتجدد رهاني على علاقات عربية عربية نستحقها، قادرة على الارتقاء الى مستوى التحديات. فلا صمام أمان عربي حقيقي سياسي واستراتيجي ولا توازن بغير وحدة العمل المباشر والمشترك بين الرياض القاهرة وكل الآخرين، ولا قاعدة لحماية الاعتدال خارج التحالف الفقهي بين مكة والأزهر. نستطيع ونستحق ولا عذر لنا غير ذلك.
حتى في الموضوع الفلسطيني الذي تحدث فيه دولة الرئيس الفلسطيني باسم دولته، فإنّ العنوان الأوّل لما يسمى “صفقة القرن” اعتقد أنّه يجب تسميته “مصيبة القرن”، وهو نقل السفارة الأميركية إلى القدس، وهذا ليس كل الموضوع، هناك مشاريع تحضر وجدية نامت الآن بسبب مواقف عربية رافضة وبسبب مواقف اوروبية رافضة، لكن الاهم هو قدرة هذا الشعب الفلسطيني العظيم على رفض ما لا يقبل به، والعمل دائما لينال ما يستحقّه من دولة مستقلة عاصمتها القدس الشريف.

الشكر كل الشكر للجزائر على استضافتها هذا المؤتمر، وشكرا لجميع الحاضرين.