“على إنفراد” مع عماد الدين أديب – خرج الجيش السوري، دخل النفوذ السوري

س- برأيك هل كان إغتيال الحريري أو كما يقول البعض ، دم الحريري السبب الرئيسي في إنسحاب الجيش السوري من لبنان، أم ان المتغيرات الدولية لعبت دورا في ذلك الإنسحاب؟
ج- طبعا، المتغيرات الدولية ولكن العنصر اللبناني دخل على الموضوع لسوء الحظ من خلال إغتيال الرئيس الحريري، ومن سوء حظ اللبنانيين ان الرئيس الحريري أغتيل. اما هذا فهو قرار دولي واللبنانييون إنتصروا لأنفسهم بزخم وبقوة بعد إغتيال الحريري، وليس قبل ذلك، وبالتالي إذا أردت أن نتحدث عن منعطفات تاريخية وسياسية، فالإنسحاب السوري كان يجب أن يبدأ عام 2000 وهو عام إنسحاب الجيش الإسرائيلي من الجنوب اللبناني بواسطة المقاومة اللبنانية، وقد كان معروفا ان الإتفاق القديم مع الرئيس حافظ الأسد يقوم على توازن دولي معين، تعبّر عنه سوريا وإسرائيل على الاراضي اللبنانية، ولكن الامر استمر خمس سنوات حتى استطاعت الادارة السياسية السورية أن تستوعب أن عليها الخروج من لبنان ولو بشكل سريع وغير عملي.

س- برأيك هل هناك معادلة ما كانت يمكن أن تحفظ لسوريا جيشها في لبنان ويرضى بها اللبنانيون؟
ج- أبداً ، وأعتقد ان اللحظة التي إنسحب فيها الجيش السوري هي الرمق الأخير لقدرة اللبنانيين على الإدارة العسكرية السورية للسياسة اللبنانية. ما كان ممكناً للحياة السياسية اللبنانية أن تستمر بإستمرار الوجود العسكري السوري المؤثر في القرار السياسي اللبناني، هذه المرحلة كانت وصلت الى نهاياتها.

س- وما تراه اليوم في الواقع السياسي اللبناني، ألا تعتقد انه مازال هناك تأثير، يعني حتى إنسحاب الجيش السوري يؤثر اليوم بقدر وجود الجيش السوري في الحياة السياسية؟
ج- لا أبداً، لا تكون مقارنة بهذا المعنى ، الرئيس نجيب ميقاتي رئيس الوزراء السابق له كلمة لطيفة بهذا المعنى، يقول خرج الجيش السوري ودخل النفوذ السوري، ففي هذه المعادلة واضح ان هناك إشتباك سياسي مع سوريا.

س- برأيك عبر من يدخل النفوذ السوري الى لبنان اليوم؟
ج- هناك حلفاء معلنون وهم ليسوا سريين، على رأسهم “حزب الله” وحركة “امل” وطبعا الحزب القومي السوري وربما آخرين أفراد.

س- هل تعتقد ان ذلك سيؤثر على الحياة السياسية في لبنان بشكل سلبي؟
ج- نعم وهذا قد اثر وظهر واضحا الاثر السلبي في لبنان.

س- انت قلت في احد مقالاتك ما اصطلحت على تسميته ان هناك في سوريا لجنة إستعادة لبنان، هل تعتقد ان هناك طبخة بهذا الصدد، حقيقة ، “حزب الله” له دور فيها وهذه اللجنة لها دور فيها؟
ج- أتمنى ألا يكون هذا الأمر صحيحا، ولكن بوقائع الأمور واضح ان هناك دورا سوريا أكيدا في مسار الحركة السياسية داخل الحكومة اللبنانية.

س- هذه اللجنة التي تحدثت عنها ، هل هو منطقي أن تكون هذه اللجنة موجودة وهدفها تحديدا هذا الموضوع ، أي إستعادة لبنان؟
ج- أولا ، لا بد من تكليف أشخاص معينين لإدارة الوضع السياسي ولا يمكن للقيادة السورية مجتمعة أن تجتمع يوميا لمتابعة عمل من هذا النوع، هذه اللجنة متخصصة وكانت موجودة أيام الرئيس حافظ الأسد، ولكن بأشخاص مختلفين، هم خدام والشهابي ودوبا. وبعدها حلّ كنعان مكان دوبا. وهي تتولى مسألة الإدارة السياسية للعلاقات اللبنانية- السورية إذا أردت تسميتها بشكل دقيق وعلمي، ولكن لا تستطيع سوريا سياسيا شئنا أم أبينا ، رغبنا أم لا، أحببنا أم لم نحب، لا تستطيع سوريا أن تعيش دون سلام مع لبنان، ولا يستطيع لبنان أن يعيش دون سلام مع سوريا، متى يحدث هذا؟ الأمر يحتاج الى وقت ويحتاج الى جهد وتعب، ويحتاج ربما الى إنـهاء التحقيق بإغتيال الرئيس الحريري. لأن سوريا هي المتهمة ، ولكن لا يبدو الآن لا في سوريا بنسبة عالية جدا ولا في لبنان بنسبة أقل بكثير، من هو على إستعداد لبذل هذا الجهد وإتاحة هذا الوقت للوصول الى هذه النتيجة، ربما من غير المنطقي الآن بحث هذا الأمر . هناك تعبئة كبيرة في لبنان سببها ان الرئيس الحريري عزيز على عدد كبير جدا من الشعب اللبناني وإعتبروه خسارة كبيرة لهم، فلا يمكن أن تطلب منهم الآن، وفجأة أن يضعوا هذا الأمر جانبا والدخول في موضوع العلاقات اللبنانية-السورية، ربما يكون هذا الكلام في السياسة غير منطقي، لكن هذا واقعي ، هذه مشاعر الناس وأحاسيسها وطبائعها وإنتماءاتها، وهذا حماسها وفخرها. وأقصد لا تستطيع أن تطلب منهم وضعه جانبا ، وليس أن ننساه ونترك لجنة التحقيق تأخذ عملها، ونحن نتابع مسارنا السياسي بشكل عادي.

س- يرى البعض ان هناك إنسدادا في الأفق في ما يتعلق بالعلاقات اللبنانية-السورية نتيجة هذا التكريس الذي وضعته الحكومة اللبنانية الراهنة لموضوع التحقيق، ما رأيك بذلك، وكيف الخروج من هذا الأمر المربوط؟
ج- تفضلت وقلت ان هناك ربط نهائي، وأن الأفق مسدود، أنا لا أوافق أن الأفق مسدود، لأنه ليس هناك من أفق مسدود في العمل السياسي، هذا تعبير غير واقعي ، ولكن الشيء الوحيد الذي يدع الأمور تعود بشكل شبه طبيعي في العلاقة هو تغيير نظرة الإدارة السياسية السورية الى لبنان بإعتباره قاصرا عليهم ، أما أن يعلموه وأما أن يعاقبوه، هذه النظرة هي التي أوصلت الأمور الى ما وصلنا إليه، فالإدارة السياسية السورية تركت مسألة التحقيق في إغتيال الرئيس الحريري تسعة أشهر قبل أن تدخل على الموضوع من خلال لجنة التحقيق الدولية، بينما الرئيس الحريري إغتيل أثناء وجود القوات السورية في لبنان، والأمن السوري في لبنان، فكيف يمكن لدولة تريد من لبنان أن يقيم معها علاقات طبيعية أن تترك التحقيق في إغتيال أعز شخصية عند الشعب اللبناني لمدة تسعة أشهر ثم تقول بعد ذلك الحق على اللبنانيين، لقد قصّروا، لقد إتهمونا وفعلوا بنا وإعلامهم يفعل بنا.

س- في المقابل الحكومة اللبنانية الراهنة عندما تكرس هذه الحالة من العدائية تجاه سوريا وتظهر اليوم الحكومة بزعامة تيار المستقبل وسعد الحريري، وممثله السياسي في الحكومة فؤاد السنيورة، تظهر وكأن الهم الأساسي لها هو التحقيق، والتحقيق فقط، إذن أين هي السياسة وأين يمكن أن تلعب مع سوريا؟
ج- هذا غير صحيح ، رئيس مجلس الوزراء اللبناني الأستاذ فؤاد السنيورة في بداية تكليفه تشكيل الحكومة اللبنانية ذهب في زيارة الى سوريا، وبعدها إتهمه الرئيس الأسد من منبر مجلس الشعب السوري بأنه عبد مأمور لعبد مأمور، فماذا تريد منه أن يفعل ؟ وكيف يمكن لرئيس دولة كبيرة ومحترمة ولها تاريخ نضالي كبير مثل سوريا، ان يقول عن رئيس الوزراء اللبناني عبد مأمور؟

س- إذا، ما الفائدة أن يذهب الى دمشق ليبحث أفق التعاون، وكل وسائله الإعلامية في الإتجاه الآخر مُتّهم سوريا بأنها القاتل؟
ج- فؤاد السنيورة لا يملك الوسائل الإعلامية اللبنانية ، ولا سعد الحريري يملكها، هو يملك تلفزيون المستقبل، ولكن لا يملك كل وسائل الإعلام اللبنانية، ولا يمكن الطلب لوسائل الإعلام اللبنانية أن تتحول الى وسائل إعلام رسمية عربية أولا. وثانيا: الإعلام السوري لم يقصّر بحق لبنان ، علما ان الإعلام السوري إعلام رسمي مفترض أنه موجّه من شخص واحد، سواء الصحف أو التلفزيون ، أيضا الإعلام اللبناني يستند الى لجنة التحقيق الدولية. اما الشتائم السورية فتستند الى فؤاد السنيورة وسعد الحريري ووليد جنبلاط الحليف التاريخي لسوريا ، الذي قلت عنه مرة من المرات إنه إستنجد بسوريا ونصرها بعد عام 1982 ، إستنجد بسوريا ونصرها بمواجهة الإسرائيليين في حرب الجبل.

إذاً هذه مبالغات لا يستطيعوا أن يصلوا إليها حتى أثناء وجود الجيش السوري والأمن السوري. كان هناك وسائل إعلامية موجودة تواجه سوريا وتواجه النظام في سوريا بشكل دائم ولم يكن هذا يُحدث أزمة ، لماذا الآن أصبحت الأزمة هي الإعلام؟ وبدلا من فتح الحرية أمام الإعلام في سوريا أصبح المطلوب إغلاق الإعلام اللبناني.

س- لم يكن مطلوبا ذلك، كان المطلوب على الأقل تخفيف الوطأة لإيجاد الجو الملائم لتحسين العلاقات؟
ج- أنت إعلامي وتعمل على برنامج تلفزيوني، أسألك من يستطيع تقرير هذا الأمر، هل الحكومة اللبنانية ؟ هي لا تستطيع أو سعد الحريري؟ أيضا لا يستطيع.

س- هل تعتقد ان إنسحاب الجيش السوري من لبنان خلق نوعا من عدم التوازن في التحالفات السياسية. في الواقع السياسي اللبناني خصوصا وما نراه من هذه التقلبات السريعة بالتحالفات والتجاذبات في الشارع السياسي اللبناني؟
ج- من المؤكد ان هناك الآن منطقة فراغ وما حدث أوجد نقطتي فراغ :
1- خروج الجيش السوري من لبنان
2- إغتيال الرئيس الحريري بحجمه السياسي والدبلوماسي والإداري والوطني.

مبدئيا جرت تعبئة منطقة فراغ الرئيس الحريري ولو نسبيا، ولو جزئيا، ومبدئيا من خلال الإنتخابات النيابية التي حدثت وخروج الجيش السوري يجري تعبئته الآن ليس فقط بالدور المعطى للجيش اللبناني والأمن الداخلي ، ولكن الدور المعطى للإدارة السياسية اللبنانية.

لقد حصل إنقلاب في لبنان بسبب هاتين الواقعتين: الإنسحاب والإغتيال، وهذا الإنقلاب لم يكتمل ، نحن نعيش الآن حالة عدم توازن مما يُظهر الأمر وكأن هناك الكثير من التجاذبات وهي تجاذبات فعلية.

س- هل تعتقد ان للدول الكبرى دور في مسك او في تجهيز او ربط هذه التجاذبات كفرنسا وأميركا؟
ج- لا أعتقد ان هاتين الدولتين تستطيعان التأثير بتحالفات أو بتجاذبات، وهذه التجاذبات موجودة في لبنان لا تخترعها أميركا ولا فرنسا، خربطة لبنان موضوعة على طاولة مجلس الأمن الدولي منذ سنة أو أكثر حتى الآن كل الدول الكبرى تتابع الوضع اللبناني بشكل شبه يومي، تستطيع أن ترى ذلك انه متابعة ومراقبة ، وتستطيع أن تراه بأنه تدخل ومؤامرة. أنا لست من أصحاب النظرية الثانية، فليس هناك مؤامرة ، هناك أمر طبيعي، وهناك قرارات دولية يتم تنفيذها ، وهناك أشخاص في الأمم المتحدة مسؤولون عن تنفيذ القرارات.

ان التعاطي مع لبنان اليوم وكأنه في وضع سليم وميسور، هو أمر غير صحيح، لبنان اليوم في وضع متأزم سياسيا الى حين خروجه من العملية السياسية الكبرى التي مرّ بها ، أما باكتمال الإنقلاب وإكتمال النصاب السياسي لكل السياسيين اللبنانيين من خلال الحوار ، وأما بتغلّب فئة على فئة، وتاريخ لبنان لم يشهد غلبة لطرف، دائما تنتهي الأمور بتفاهم ما.

س- الآن “حزب الله” تحت الضغط نتيجة مواقفه ربما في الداخل اللبناني، وربما بعلاقته مع سوريا، أين ترى المخرج من هذا الضغط؟
ج- “حزب الله” يريد شيكا على بياض في قرار الحرب والسلم في لبنان، وليس هناك من مسؤول على الأراضي اللبنانية يستطيع إعطاء “حزب الله” هذا الشيك، وإذا وقعه أحد المسؤولين اللبنانيين فهو دون رصيد، لا في مجلس الأمن الدولي ولا في الجامعة العربية ولا حتى في لبنان.

س- أليس من حقهم وهم من حملوا لواء المقاومة طوال السنوات الماضية مما أسفر عن تحرير الجنوب أن يكون لديهم إرادة في هذا القرار؟
ج- ان المقاومة اللبنانية الممثلة بـ”حزب الله” حققت أسطرا وصفحات كبيرة في التاريخ العربي. للمرة الأولى تُحرَر أرض عربية من الإحتلال الإسرائيلي بسبب المقاومة دون توقيع معاهدة سلام، هذا إنتصار كبير أن تدخل الى التاريخ. السيد حسن نصر الله أمين عام “حزب الله” يُكتب عنه في التاريخ أنه قاد المقاومة الى تحرير أرض عربية من الإحتلال الإسرائيلي دون توقيع إتفاقية سلام مع إسرائيل. للمرة الأولى في التاريخ العربي، ولكن هذا لا يمنع انه يحتاج رغم كل هذه الصفحات في التاريخ الى صفحات من التفاهم مع مجموع الشعب اللبناني، وليس فقط مع جمهور “حزب الله”.

س- “حزب الله يشعر وكأن هناك أصابع مؤامرة تحاك ضده بهدف نزع هذا السلاح وهذه مسألة وجود وهواجس ، ألا ترى أنه محق في هواجسه؟
ج- أنا أدعي أنه ليس في الحكومة اللبنانية ولا رئيسها ولا وزيرا فيها ، لن أقول كل الوزراء، ولا أعتقد من معرفتي بهم ومراقبتي لهم لسنوات، أن اقبل انهم متآمرون ، أو أن هناك إحتمال لأن يتآمروا.

س- إذا، لماذا لا يرسلون رسالة الى مجلس الأمن الدولي يرفضون فيها القرار 1559؟
ج- هذا كلام غير صحيح، ولم يحصل القرار ، لم ينفّذ ، ولماذا الإستعجال؟ فقد كان وزير خارجية بريطانيا منذ أيام في بيروت وقال انه لا وقت محدّد لتنفيذ القرار1559، فلماذا العجلة على أن نقبل أو لا نقبل، وفي كل الأحوال هذا الأمر تم تجاوزه وتوصلوا الى بيان في مجلس الوزراء، إنما النص هو المشكلة. هل يمكن تحقيق غالبية لبنانية ؟ لن أقول إجماع بالمنطق الديموقراطي، غالبية لبنانية تقول بإبقاء سلاح “حزب الله” حتى إنتهاء النزاع العربي الإسرائيلي. إذا أردت ذلك عليك أن تعمل على إقناع الناس به.

س- إسمح لي أنا أرى إنه في لبنان فرقاء يعملون بالديموقراطية العددية حين يرونها مناسبة لهم، وبالتوافقية حين يرونها مناسبة لهم، وهذا ما يقوم به تيار المستقبل اليوم؟
ج- لم يحصل بالديموقراطية العددية سوى تصويت واحد ويجب الا نبالغ بأـن هناك أكثرية تقرر.

س- لكن هذا التصويت الوحيد تصويت مؤثر؟
ج- في ذلك اليوم كان جبران تويني قد قُتل ، ولم يكن أمام مجلس الوزراء في مواجهة ما حدث مع جبران التويني سوى ما قام به من تصويت.

س- هل لمواجهة ما حدث مع جبران تويني تقصي “حزب الله”؟
ج- هذا ليس إقصاء، حصل خلاف داخل مجلس الوزراء وخرجوا ، لماذا الدخول في التفاصيل، الموضوع الرئيسي هو التالي: هل يمكن أن توجد غالبية واضحة توافق على بقاء سلاح “حزب الله” حتى إنتهاء النزاع العربي – الإسرائيلي ، نعم أم لا؟ هذا السؤال يجب أن تجيب عليه قيادة “حزب الله”.

أنا لا أستطيع أن أرى السيد حسن نصرالله ، هذا الزعيم العالمي الإسلامي الكبير، لا أستطيع أن أراه يتحدث بالتفاصيل اللبنانية، ويضطر الى القول بأننا نشكر سوريا قيادة وشعبا ، ويضطر الى القول بأن إيران هي الدولة الصديقة لنا.

لنفترض ان هذا صحيح، هناك جمهور آخر لا بد من مراعاته، هناك جمهور آخر يقول ان القيادة السورية مسؤولة عن إغتيال الرئيس رفيق الحريري سواء كان ذلك صحيحا أم لا، وهذا تقرره لجنة التحقيق.

س- هناك معركة اليوم تجري في الساحة اللبنانية ، يظن شخص ما نسميه حسن نصرالله ان هذه المعركة تستهدف وجوده، وتريده أن يتنزه عن النزول الى ساحة المعركة؟
ج- طبعا، لأنه هو حكم وليس طرفا، لا يجوز أن يكون طرفا ، فعندما يصبح هو طرف لا يعود هناك من تحكم بينه وبين الآخرين. هو كان متفرغا للصراع مع إسرائيل، وأعتقد انه لا زال يقوم بجزء كبير من هذا الموضوع، ولكنه عندما دخل الى الموضوع اللبناني إختلفت الصورة تماما. لنفترض ان هناك مؤامرة عليه إسمها القرار 1559 ، فلنتابعها بالحوار وليس بالخطابات لأنها لن تصل غير الى جمهوره.

س- لكن “حزب الله” قائم على أيديولوجيا ، وقائم على أفكار مبنية على مسألة تحرير الأرض والمقاومة ، فكيف تأتيه بعد كل هذه السنوات وتقول له إنزع سلاحك؟
ج- هذا الأمر على “حزب الله” ان يجد له حلا معي ولست أنا المسؤول علي إيجاد الحل معه، أنا لست خبيرا ايديولوجيا أولا، وثانيا: إذا كان هناك ايدجيولوجية ترتبط بالسلاح فقط دون أشياء أخرى، فهذه مشكلة لا علاج لها. وأنا أعتقد ان عندهم ايديولوجية تتجاوز موضوع السلاح.

لنفترض ان تحرير الأرض المحتلة إنتهى من لبنان، ماذا نفعل؟ نُبقي السلاح لمواجهة الإعتداءات والخروقات الإسرائيلية الى متى؟ وهذه الإختراقات والإعتداءات ممكن أن تستمر 20 سنة. أنا لا أستطيع مواجهة المجتمع الدولي بهذا المنطق ، أنا أريد تشكيل منطق لبناني متماسك لمواجهة المجتمع الدولي، أنا لا أقول بنزع السلاح، هناك فرق ولكن لا يستطيع “حزب الله” أن يكتفي بجمهوره لحماية سلاحه ، لا بد من توسيع إطار الحوار والموافقة أو عدم الموافقة على هذا السلاح لكي يبقى بوضعه السليم.

س- “حزب الله” يرفض الفكرة التي تنادي أنت بها الآن وهي فكرة الصورة أمام المجتمع الدولي وهو لا يرى ان من حق المجتمع الدولي ان يفرض على الداخل اللبناني معطيات معينة؟
ج- ومن يقول انه يفترض ، لماذا لا نعتبر ان هذا تعبير عن رأي الكثير من اللبنانيين ويجب على “حزب الله” وآخرين أن يحاولوا إقناع مجلس الأمن بغير ما يفكر المجلس في مسألة السلاح.

س- برأيك هل يمكن ان تصل اي تسوية أو أي سيناريو محتمل في المستقبل، في العلاقة في المجتمع الدولي أن يُضحى بـ”حزب الله”؟
ج- لا أعتقد ذلك على الإطلاق، “حزب الله” جزء أساسي من المجتمع اللبناني لا أحد يستطيع التضحية به، ولا أعتقد ان لدى أحد أحلام للتضحية به، ولا القدرة على التضحية به، هو جزء طبيعي من المجتمع، ناس عاديين ، حتى ان “حزب الله” لا يملك ثكنات أومخيمات وهو حزب غير منظور كما يمكن وصفه.

س- هناك تساؤل يثار في الشارع العربي عموما لماذا وليد جنبلاط يتقلب بهذه السهولة وبهذه السرعة، وهل هذا يعكس فكرا سياسيا ناجحا؟
ج- هناك إنطباع آخر عنه تاريخي بأنه واحد من أحسن الرادارات السياسية في المنطقة، ويستطيع أن يشعر مبكرا جدا بما سيحدث ، وبالتالي يتصرّف على هذا الأساس، وانا لا اوافق على انه بالمسائل الإستراتيجية متقلب وأعتقد انه في خياراته الإستراتيجية غير متقلب، بل هو متقلب بيومياته وبتصرّفه السياسي، هو الآن يتصرّف على قاعدة بأن هناك قرارا نهائيا وحاسما من النظام السوري لإغتياله، فماذا تريد منه أن يقول ، ولذلك يتصرّف على أنه مهدّد بالإغتيال السياسي، ويتصرّف على أنه الحليف التاريخي لـ”حزب الله” والذي تخلى عنه الحزب، ولم يستطع حمايته سياسيا ولا أمنيا، في وقت يعلن الحزب انه حليف سوريا في لبنان.

س- هل تعتقد ان موقف وليد جنبلاط من “حزب الله” وهذا الهجوم مردّه الى رفع الحماية كما يقول البعض عنه من قبل “حزب الله”.
ج- انا لا اعتقد ان هناك رفع حماية من “حزب الله” أو حماية من “حزب الله”: باعتقادي انه يُفترض بأن على “حزب الله” أن يحميه سياسيا وأمنيا وليس لأن هذه الحماية كانت موجودة ورُفعت، وأنا لا أعتقد أن وليد جنبلاط تخلى عن “حزب الله” رغم كل الكلام الإنفعالي الذي سمعناه بالأمس وسنسمعه غدا وفي الأسبوع القادم.

س- يعني هذا الكلام لا يفسد للود قضية؟
ج- ليس للود لا يفسد للقرار مضمونه ، القرار الإستراتيجي ربما أنا مخطئ ، ولكن أنا أعتقد ذلك هو لم يتخلّ عن “حزب الله”، هو منفعل ومتوتر ويطلق كلاما يُظهر وكأن له لعلاقة بمجلس الأمن الدولي أو له علاقة بلارسن وبالسفراء، بينما أنا في المرات التي أقابله بها كنت أجده دائم التبرم والشكوى من كلام السفراء معه ومن تدخلهم ، حتى مرة قال “يبدو ان هذا السفير الفلاني سيأتي ليسكن في المختارة “. من باب الإنزعاج منه.

س- كيف ترى مستقبل العلاقات اللبنانية- السورية في حال إتهام النظام السوري باغتيال الحريري أو في حال تبرئته؟
ج- أولا، انا أتمنى تبرئته مع أن هذا غير واقعي ولن يحصل، ولكن الآن من الصعب رؤية العلاقات تخرج من إطار التوتر الموجود فيه، ومن المبكر القول انه يمكن فصل نتائج التحقيق المقررة مسبقا في أذهان الناس وبين العلاقات اللبنانية-السورية، لذلك أعتقد ان هذا الأمر يلزمه وقتا ، ولكن سنصل في وقت من الأوقات لكي يتضح إتجاه التحقيق بأي جهة بشكل شبه نهائي وعندها يمكن الحديث عن ورقة عمل لبنانية- سورية.

س- خروج الجيش السوري من لبنان ، أخرج سمير جعجع من السجن وأعاد ميشال عون الى لبنان وغيّر في الخارطة السياسية ، هل تعتقد بأنه بوسع سوريا التعامل سياسيا مع هذه الخارطة السياسية الجديدة؟
ج- لا يوجد أمام سوريا خيار آخر وكذلك لا يمكن إيجاد خيار على قياسها. على كلٍ هناك مؤرخون أنا لست منهم يقولون :انه ما من مرة إختلف فيها النظامين في لبنان وسوريا إلا وكانت النتيجة سقوط النظام السوري أولا لأنه يكون قد إرتكب كمية من الأخطاء، ثانيا لأن القرار في لبنان يصبح دوليا.

س- إذا، ترى دائما الأخطاء بين سوريا ولبنان هي من الجانب السوري؟
ج- أنا أقول من الجانب الأكبر والأقوى، أنت لا تستطيع أن تطلب من لبنان المصاب ألا يخطئ ، أنت تطلب من سوريا التي أهملت هذه الإصابة التي وقعت بلبنان مدة تسعة أشهر بسبب مجموعة قالت شعارات في 14 آذار ، وبالتالي لا يمكن تقييم العلاقات بين الشعبين السوري واللبناني بسبب بعض الشعارات التي أطلقت هنا أوهناك سواء وافقت عليها أنا، أم لم أوافق، ولكن هذه الشعارات كانت تتجه لعمل كبير إرتكب في لبنان، والناس تصرّفت على أساس ان سوريا هي الدولة المتهمة سياسيا في هذه الجريمة.

س- هل تعتقد ان هناك أطراف دولية تساهم اليوم في رسم علاقة بين سوريا ولبنان؟
ج- أعتقد ان هناك أطراف دولية تطالب سوريا بجدول أعمال محدّد أنا كمواطن لبناني لست معنيا به إلا بالقرارات التي تتعلق بلبنان.

س- المشكلة ان سوريا وهذا ردّده الرئيس الأسد ان سوريا تشعر ان لبنان هو الخاصرة الموجعة وان الضربة الأقوى التي تأتي لسوريا تأتي من قبل لبنان، فربما من أجل ذلك لدى النظام في سوريا هواجس حقيقية في ما يتعلق بموضوع التدخل الدولي؟
ج- أسهل أمر أن يكون لديك هواجس وأصعب قرار هو كيف تواجه هذه الهواجس، فهل تتم المواجهة بتحصين الوضع اللبناني سياسيا أم بتدميره؟ كيف تواجه هل بفتنة سُنية- شيعية أم بجمع الناس إذا كان لك من تأثير؟.

س- هل تعتقد انه توجد فتنة سُنية – شيعية في لبنان؟
ج- أنا طبعا لا أوافق ، هذا كلام يُقال، أنا أعتقد انه لا توجد لا فتنة سُنية – شيعية ولا فتنة بين أي طائفة وطائفة، هذا كلام فارغ وعدّته غير متوفرة، وأعتقد ان قيادة “حزب الله” وعلى الأقل السيد حسن نصرالله حتماً ليس في هذا الإتجاه، وليس في هذا السعي، وعقلي لا يمكن أن يقبل أن يتحوّل شخص من زعيم في العالم الإسلامي الى باحث بالزواريب اللبنانية.

س- لكن هناك كلام يُقال حقيقة انه يمكن ان تتطور هذه الحالة الى حالة حرب أهلية ثانية؟
ج- مستحيل، أعوذ بالله وهذه كلمة لا أرغب أن أسمعها ولا أقولها. والحروب الأهلية تحتاج الى مقومات غير متوفرة اليوم على الساحة اللبنانية.

س- بعد إغتيال الرئيس الحريري ظهر سعد الحريري على شاشات التلفزة في لقاء صحافي وظهرت أنت صحافيا تمتدح ظهوره ووصفته بالمتزن، فسّر البعض ذلك بالتحبّب أو رغبة بالعودة الى دائرة آل الحريري، ما هو موقفك اليوم؟
ج- أولا، نحن نتكلم بعد وفاة الرئيس الحريري بعشرة أشهر، وبالتالي ، وثانيا لا مانع لدي من أن أتحبب لسعد الحريري، ولكن لا رغبة لديّ أبدا أن أرجع الى دائرة العمل، هذه مسألة منفصلة ، وأنا أعتبر سعد صديق عزيز وحبيب ورفيق في كثير من الأوقات والأيام الحلوة والصعبة، اما كتابتي عنه فأنا كتبت عنه كما وعدت في إحدى مقالاتي بأني أتعاطى معه كشخصية عامة، كما كتبت نفس الشيء عن وليد جنبلاط وعن ميشال عون وعن سمير جعجع ، وكلامي عن سعد تقييم له كشخصية عامة وليس رغبة في العمل معه، وأنا كتبت في الجريدة بأني لست راغبا بالعودة الى هذه الدائرة.

س- يُقال ان هناك علاقة جفاء بينك وبين سعد الحريري، رغم المدة الطويلة التي قضيتها بالقرب من رفيق الحريري وآل الحريري؟
ج- نعم، أنا عشت مع آل الحريري وكان لي غرفة في كل بيت من بيوتهم ما عدا باريس، ولا أرغب بالدخول في الهمس، وأنا كتبت هذا الكلام بشكل واضح ، وأنا أكن كل إحترام وتقدير للسيدة نازك ، وكل محبة للجهد التي تقوم به السيدة بهية، ومن المؤيدين بطبيعة الحال لمسار سعد السياسي طالما هذا المسار لا غبار عليه، وإذا حصل أي خطأ فستجدني أكتب بكلام موضوعي إنتقادا لما يمكن أن يحدث.

س- ألم يطلب آل الحريري منك أي إستشارة أو نصيحة في هذه الأزمة التي مروا بها؟
ج- ابدا، وأنا كتبت مبكّرا انني لا أريد هذا الدور مبكرا جدا، منذ ستة أشهر في صحيفة “النهار”.

س- يُقال ان آل الحريري تذمّروا من كلامك في الفترة التي أعقبت إغتيال الحريري ، بعد ثلاثة أشهر ، كلامك عن ذكرياتك معه وعن تاريخك معه؟
ج- لم أسمع هذا الكلام ، وأشك أن يكون هناك تذمّر من قبلهم وبالتالي لا يحق لأحد أن يتذمر ، فأنا كتبت عن تجربتي وأيضا لا يستطيع أحد أن يكتب لي تاريخي، أنا من يكتب تاريخي مع الرئيس الحريري ومع غيره ، وتجربتي مع الرئيس الحريري رحمه الله عظيمة وناجحة وجدية، ولكن أنا لي تجارب سياسية قبل أن أتعرّف على الرئيس الحريري.