نهاد المشنوق » عــودة مــن الجــرح إليــه…

عــودة مــن الجــرح إليــه…

مقالات 09 أبريل 2009 0

لا أعرف لماذا يخطر في بالي الرئيس الأسبق المصري أنور السادات والعاهل السعودي الأسبق الملك فيصل، كلما اقترب الرابع عشر من شباط 2005، يوم اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
المقارنة هنا ليست مبررة، لا في المسببات ولا حتى في النتائج. فالأول، أي الرئيس السادات، اغتيل لأسباب “وطنية” مصرية بحتة حين اتخذ قراراً باستعادة الأراضي المصرية المحتلة ولو اضطره الأمر إلى “اجتياح إسرائيل سلمياً” وقد فعل. استردت مصر أرضها، لكنها لم تمسك بقضيتها. الثاني، أي الملك فيصل، اغتيل تحت عنوان اتخاذه القرار بقطع النفط السعودي عن الغرب دعماً لحرب تشرين 73 التي خاضتها سوريا مع مصر. فكانوا ثلاثتهم، أي سوريا ومصر والسعودية لاحقاً، يافطة الاستقرار في المنطقة العربية. تفاهم السعودية وسوريا من جهة وانسحاب مصر من الساحة العربية من جهة أخرى. أما الثالث، أي الرئيس الحريري، فقد اغتيل إخراجاً لعنصر أساسي في ميدان معركة مشروع قادم على المنطقة بقضّه وقضيضه سياسة وسلاحاً وموقفاً مخالفاً للسائد في العواصم العربية.
ما يجمع بينهم أنك لا تستطيع أن تذهب إلى القاهرة بعد 32 سنة على اغتيال الرئيس السادات إلاّ وتأتي على سيرته و ترى رجاله و آراءهم في كل مكان، سواء أكانوا على خطأ أم على صواب. كذلك الملك فيصل في السعودية. لا يجوز حديثك مع السعوديين داخل السلطة أو خارجها إلاّ بحضور الملك الراحل إلى الحديث شاهداً أو نموذجاً أو شهيداً، بعد 33 سنة من اغتياله.
هل تجوز المقارنة بالرئيس الحريري في لبنان؟
تنتهي السنة الرابعة على اغتيال الرئيس الحريري وهو يحقق يومياً رقماً قياسياً في التناول والتداول والذكر، يستوي في هذا الأمر المعارضون لسياسته والموالون لأفكاره. المعارضون يريدون أن يكون وريثه، النائب سعد الحريري، على نسق والده ويتجاهلون أن ولاية الدم التي ورثها قبل الزعامة هي وظيفة لها حقوق وعليها واجبات قبل أن تكون موقعاً، تستولد حقاً لا يستطيع الوريث أن يتخلى عنه. أما الموالون فيريدون لتجربة الزعيم الشاب أن تكون صافية القدرة على الثأر مهما كلّف ذلك من شهداء على الطريق. الأبرياء منهم والمعنيون طبعاً. من دون الأخذ في الاعتبار أن تجربة الأب لم تبدأ يوم اغتياله ولم تنته في التاريخ نفسه أيضاً. إذ سبقت ذلك سنوات من الصراع على فكرة “الدولة”. ما أن يهدأ على المقعد اليمين الموازي لمقعد الرئيس حافظ الأسد حتى يتأجج الصراع من جديد لتمتلئ كرسي الضيف مرات أخرى في قصر المهاجرين الدمشقي.
ما تحقق من فكرة “الدولة” بين تولّي رفيق الحريري لرئاسة الحكومة في العام 92 وبين اغتياله في العام 2005 لم يكن فقط عناداً أو إرغاماً لآخرين في الداخل اللبناني أو في دمشق، بل نتيجة قدرة على المرونة ومدرسة في الصبر يتنافس “المعلم” فيها أي الرئيس السوري الراحل والسياسي اللبناني القادم من مجال الأعمال في السعودية، حيث الصبر هو الرأسمال الأول للنجاح.
سعد يأخذ من هذا فيعطي ذاك بين المعارضة والأكثرية، “وإذا الله يتمهّل في العفو” مخالفاً القول الشائع فلم العجلة بعد السابع من أيار؟
***
تخلّت عني نعمة التفكير في الأيام الثلاثة الأولى لاغتيال الرئيس الحريري. خرجت في اليوم الرابع إلى حديقة قريطم أمشي فيها وحولها لأسأل نفسي سؤالاً عن الاغتيال… وهو لماذا اغتيل؟
للرئيس الشهيد صفة يعرفها جميع من عرفه وهي القدرة على المرونة واجتهاد في التسوية، رغم الشكل الأولي للعناد الذي تتخذه جلسة النقاش حول أي موضوع عام.
هناك عناوين استراتيجية محددة بدقـّة وليست كثيرة، لا تحتمل التسوية. أولها وأهمها عدم توقيع لبنان اتفاقاً سلمياً مع إسرائيل سابقاً للدور الأخير من العرب. أو حتى الشروع في ذلك. و ثانيها عدم تسليم القطعة الأخيرة من سلاح المقاومة ولو كان عنوانها “حزب الله” قبل قبض ثمن القطعة الأولى للبنان من المجتمع الدولي، وبالاتفاق مع قيادة المقاومة، باعتبار أنهما سوياً يستطيعان التوصل إلى توافق إقليمي على عنوان سياسي كبير، كما حدث في تفاهم نيسان في العام 1996. هذا التفاهم الذي نظـّم في حينه قواعد الاشتباك الإسرائيلي ـ اللبناني واعترف المجتمع الدولي بحق المقاومة اللبنانية في تحرير أرضها طالما أن هناك أرضاً محتلة من العدو الإسرائيلي، وبصرف النظر عن الترجمة السورية لهذا التفاهم الذي أوصل الرئيس السوري الراحل إلى التحوط للانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية إلى حد طلب تجاهل قرار مجلس الأمن الدولي الشهير برقمه “425” في النص السياسي الرسمي اللبناني. بصرف النظر عن هذا الأمر فإن تفاهم نيسان كان سنداً رئيسياً في مشروع تحرير الأراضي اللبنانية المحتلة وخروج الاحتلال الإسرائيلي منها في العام 2000.
العنوان الثالث هو الحفاظ على سلامة الاستقرار النقدي اللبناني وسط عملية إعمار ضخمة في المرافق الرئيسية الضرورية لمسح آثار الحرب عن لبنان.
رابع العناوين هو العيش الطبيعي بين لبنانيين متفاهمين على صيغة اتفاق الطائف دستوراً لحياتهم العامة.
ما عدا هذه العناوين الأربعة لم يكن باب التسوية مغلقاً. بل كان مفتوحاً الى درجة اتهام الرئيس الحريري بالتساهل في ملفات الإدارة وغيرها لمصلحة قوى المعارضة آنذاك، والتي لا تزال حتى اليوم على موقفها المتحالف مع القيادة السورية.
يسري هذا الاجتهاد أيضاً على العلاقات مع القيادة السورية. هذا ليس تجاهلاً لكل محاضر الجلسات الصاخبة والحادة للرئيس الحريري في دمشق بعد العام 2000، لكنه كان حريصاً على إخراج لائق ومنظـّم للعلاقات بين البلدين يحفظ سيادة وتاريخ البلدين في أصعب الظروف على حد قول أقرب الناس إليه في تلك الأيام.
في مناقشة المحرمات الأربع، نجد أن الجنوح نحو تسوية سلمية مبكرة غير متوفر إلاّ في خانة اتهام المعارضة لبعض القوى في “هيكل” 14 آذار. وهو اتهام غير موضوعي ولا منطقي ليس لأسباب وطنية فقط، كما هو المبدأ، بل أيضاً لأن القوى المتهمة لا تملك القدرة ولا الفعالية للذهاب في هذا الاتجاه. وان ميزان القوى في هذه الخطوة لا يصب أبداً في مصلحة المتهمين، ولو ظلماً، بهذا الجنوح. كذلك لا يمكن لأحد ان يجزم بان رأيه في موضوع سلاح المقاومة قد تغير حتى الايام الاخيرة من حياته.
اما بشأن السياسة النقدية، فقد تجاوز الحاكم رياض سلامة القدرة على استيعاب المزيد من التقدير لسياسته الواعية في تطوير العمل المصرفي، وتأمين أموال المودعين في المصارف المتعثرة، وهي قلة، مما حقق ثقة عربية ودولية بالقطاع المصرفي اللبناني لا سابق لها منذ ما قبل انهيار مصرف انترا في العام 1966.
لم يبق من العناوين الاستراتيجية لمحرّمات الرئيس الحريري غير صيغة العيش بين اللبنانيين، حيث وضع الدستور المنبثق عن اتفاق الطائف، موازين دقيقة جداً لاستمرار الحياة الدستورية في مراكز القرار، ولانتظام حياة المواطنين من المعارضة والموالاة.
لم تتحقق الموازين الدستورية، بل حفلت السنوات الأربع الأخيرة بجرائم دستورية ليس آخرها الثلث المعطّل في اتفاق الدوحة “الثمرة المحرّمة” للسابع من أيار (للحديث صلة). و لا هنئ المواطنون بانتظام حياتهم بين جنازة وأخرى لرموز منهم يتطلعون إليهم على أنهم المدافعون عن حقوقهم من سياسيين وكتـّاب ومعنيين بالشأن العام.
كل هذا بعد خمس عشرة سنة (1990ـ2005) من الترجمة السورية للدستور اللبناني وتثبيت قاعدة الترويكا الرئاسية التي شجعت كل رئيس من الثلاثة ـ جمهورية، حكومة، نواب ـ على أن يكون حاجزاً طيّاراً لمسعى الرئيس الآخر.
***
هل يستأهل تعديل الصيغة الإطاحة بكبير من حماتها، في الوقت الذي يدافع فيه الرئيس نبيه برّي مقاتلاً عن الطائف الى حد الرد على مطالبة رئيس الجمهورية باستعادة حق حلّ المجلس، باقتراح تعديل آخر يشترط انتخاب رئيس الجمهورية من الشعب المختلة ديموغرافيته بفارق حاد. كذلك ينفي أمين عام حزب «الله» مرة واثنتين وثلاثاً رغبة الحزب في تعديل الدستور لمصلحة جوائز الحروب الإسرائيلية على لبنان وصمود المقاومة اللبنانية في وجه الجيش الإسرائيلي؟
هناك تطورات استراتيجية طرأت في منطقة الشرق الأوسط منذ العام 2005 ليس لأحد تجاهلها.
الحقيقة الأولى ان الاحتلال الأميركي للعراق أظهر العجز العربي كاملاً غير منقوص وتشكّل نتيجة الاحتلال نظام أكثري مسلم شيعي في العراق، حتى أن مسؤولاً أردنياً كبيراً في عمّان لاحظ أن الوفد الذي رافق رئيس الوزراء العراقي في زيارته الى عمّان في حزيران من العام الماضي لم يضم في تعداده الـ54 شخصاً غير واحد من غير المسلمين الشيعة في نهاية لائحة الوفد.
إلاّ أنه لا بد من التسجيل لقوى رئيسية في النظام الجديد، مثل حزب الدعوة والتيار الصدري، إصرارها ونجاحها المبدئي في تأكيد صيغة الدولة المركزية الواحدة للشعب العراقي. وهو هدف بدا سراباً طوال السنوات الأولى من سقوط النظام السابق وتسلّم النظام الجديد. بصرف النظر عن الرغبة الكردية في شمال العراق “بالإنفراد” بمناطقها، وهي رغبة عمرها من عمر العراق الحديث ودون تحقيقها عقبات أعقد من حق الشعب الفلسطيني في أرضه.
الحقيقة الثانية إن الاحتلال الأميركي للعراق وأفغانستان حرّر النظام الايراني من نظامين شرسين معاديين له سياسياً وفقهياً، مما جعله ـ أي النظام الايراني ـ قادراً على المجاهرة بمشروعه السياسي في الشرق الأوسط. ويمكن اختصاره كالتالي: دولة رعاية حيث يتواجد الرعايا. الإشراف على إيقاع منتظم لأزمات الهلال الذي لم يعد شيعياً بانضمام حركة حماس الفلسطينية اليه، نفوذ جدّي يظهر تباعاً في بعض دول مجلس التعاون الخليجي وجزء من القرار على حدود الأمن الاسرائيلي في لبنان وفلسطين حتى الآن. إصرار وطني إيراني على الحق في أداة نووية عنوانها الاستعمال السلمي وطبيعتها السياسية تؤكد صفة القوة العظمى لإيران الفاعلة في الخليج العربي والشرق الأدنى.
ليس في ما سبق من الكلام اكتشاف ولا إفشاء سر بل أصبح هذا المشروع السياسي موضع مفاخرة لدى القيادة الإيرانية وبعض من ينتصر لمشروعها.
آخر الصور الواضحة إشارة النصر التي رسمتها يد الرئيس الايراني أحمدي نجاد في اللقاء الرئاسي التشاوري في العاصمة القطرية، وظهرت على كل شاشات العالم.
كل هذا يحدث في ظل اعتداء إسرائيلي يومي على السلام، واستغلال رعاة السلام لضعف دعاته من العرب منذ 14 سنة، تاريخ توقيع اتفاق اوسلو بين السلطة الفلسطينية بقيادة الزعيم ياسر عرفات واسحق رابين رئيس الحكومة الاسرائيلية الذي ناصف عرفات في جائزة نوبل للسلام، وسبقه إلى الموت اغتيالاً على يد متطرف من شعبه.
الحقيقة الثالثة، على خفـّة ما ظهر منها وعمق مضمونها، هي ادخال النظام السوري، العروبي العلماني في أساس نشأته، لأقلياته في النزاع اللبناني للمرة الأولى منذ 39 سنة. حصل هذا الاستعمال الطارئ في جبل الدروز حين جرى لنجوم المعارضة اللبنانية الدرزية، تباعاً، استقبالات شعبية مقابل المواجهة التي يقودها وليد جنبلاط للنظام السوري. ثم الاستقبال المسيحي الديني والمدني للعماد ميشال عون في زيارته الأولى مؤخراً إلى سوريا، وذلك في مواجهة قوى مسيحية يتبناها البطريرك الماروني للمشرق، تحت شعار معارضتهم للسياسة السورية بعد الخروج العسكري في العام 2005.
في هذا التصرف “الطارئ جداً” للنظام السوري العلماني تجاهل لأمرين أساسيين: الأول ان مواجهة الأكثرية اللبنانية لا تكون باستنفار الأقليات السورية في الصراع اللبناني، إذ أنها تعرّض مفاهيم سورية تاريخية ثابتة للاهتزاز من دون تحقيق تغيير ولو طفيف في المعادلة اللبنانية. التجاهل الثاني هو التجربة القديمة قدم الحرب اللبنانية أي التحالف بين الزعيم المسيحي الأوحد بشير الجميل في حينه ورفعت الأسد العنصر الأقوى داخل النظام السوري، والذي انتهى باغتيال الزعيم المسيحي اللبناني ونفي الأقوى السابق “الأقلّوي” من سوريا.
***
ما الذي تغيّر في هيكلية النظام السوري؟
من البساطة، حتى لا أقول السذاجة، القول بأن الكلام الكبير الذي صدر عن قوى الرابع عشر من آذار اللبنانية في وجه النظام السوري هو الذي أسقط المحرمات السابقة المرتبطة بقواعد ثبات النظام ومبادئه الاستراتيجية.
لقد شهد لبنان تغييراً استراتيجياً سبق كل هذه التطورات، وهو اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية وابتكر صيغة دستورية تجعل من مجلس الوزراء مجتمعاً السلطة التنفيذية، ثم فوّض الاتفاق برغبة المجتمعين الدولي والعربي رئيس مجلس الوزراء بشخصه وبطائفته إدارة هذا “الابتكار” المكرّس في الدستور اللبناني في العام 1990.
أسباب هذا التفويض كثيرة أهمها أن طائفة رئيس الوزراء المنتشرة في المدن الثلاث الرئيسية اللبنانية على البحر المتوسط لم تتورط في الحروب الداخلية ولم تنقسم حول نفسها عسكرياً أو سياسياً بل بقيت في حالة إضراب سياسي حتى العام 1990، فهي لا تعرف الحياة خارج إطار الدولة، ولا تعرف غير الدولة ملجأ لمصالحها قبل أن تكون مولجة بأمنها؛ عدا محاولات معتدلة مثل اللقاء الإسلامي، رحم الله من قتل أو مات من أعضائه وأطال في حياة من بقي وهما اثنان فقط، العلامة الدستوري الدكتور حسن الرفاعي أول المنسحبين والوزير السابق طلال المرعبي.
السبب الثاني هو النزاع الشيعي المسلح الحاد في نهاية الثمانينيات بين “حزب الله” وحركة أمل وبداية ظهور الأعراض الإيرانية الدينية والسياسية على الحزب. في الوقت الذي أدى فيه الغياب المسيحي السياسي والصراع المسلح إلى فقدان المسيحيين عناصر أساسية من تكوينهم كطائفة مؤسسة للبنان، فصار يغلب على تمثيلهم السياسي في السلطة الوزراء القادمون من الميليشيات المسلحة والرؤساء القادمون من الاطراف المحاذية للحدود مع سوريا أو من قيادة الجيش، مع الاحترام لكفاءة هذا المسؤول أو ذاك في موقعه.
لم يقصد بتفويض رئيس الوزراء إلغاء الآخرين بل تكريس دورهم، إذ أن دستور الطائف أعطى للوزير الممثل لأقل مجموعة لبنانية عددياً حق التصويت المماثل في مجلس الوزراء لزميله القادم من الطائفة الأكبر في البلاد، ملغياً بذلك اعتماد قاعدة العدد في التمثيل، سواء في مجلس النواب أو الوزراء أو في وظائف الفئة الأولى.
اشترط التفويض أن يكون دور رئيس الوزراء هو المركز الجامع لا المنقسم، والأداء المتوازن لا المختـّل، والحكيم العميق لا التفصيلي المنافس. أمسك الرئيس الحريري بهذا التفويض وذهب به بعيداً في الاتجاهات العربية والاسلامية والدولية. بدأ من بيروت حيث كان الحق والباطل السياسي قراراً سورياً ثم ذهب وأعاد الحياة إلى معادلة العلاقات اللبنانية مع فرنسا والفاتيكان وواشنطن ولاحقاً روسيا، كذلك فعل مع القاهرة ودول مجلس التعاون الخليجي والمغرب العربي. عاصر في اسطنبول رئيس جمهورية ورئيسَي حكومة (سليمان ديميريل، تانسو تشيلر ورجب طيب أردوغان). صادق مهاتير محمد رائد التجربة الماليزية. ذهب نجله سعد بطائرته إلى باكستان للمجيء بنواز شريف زعيم المعارضة آنذاك إلى السعودية ليقيم آمناً مكرماً وجعل من متابعه الجنرال برويز مشرّف قاعدة في حركته. زار ايران مرات عدة في عهد الرئيس خاتمي، مشاوراً ومحاوراً بما يتجاوز العلاقات اللبنانية ـ الايرانية الى الأعمق في القاهرة والرياض.
هل تحتاج عملية اغتيال الرئيس الحريري كل هذه التطورات والاستنتاجات؟
نزر يسير من كل واقعة يجعل محللاً سياسياً “غبياً” ـ عفواً “غبياً” جداً ـ، يستعمل خياله المجرم واعتقاده في حقـّه المطلق بالاتهام ليتخذ مثل هذا القرار، وليعتقد أيضاًَ أن جريمة بهذا الحجم يمكن أن تمر بسهولة وسلاسة مع قليل من الفوضى ومن دون حساب، فإذا بالحساب أكبر ما يعتقد أي كان.
يشهد على ذلك كل الرسميين الذين اضطرتهم ظروف أعمالهم إلى زيارة القصور والمقرات في الأيام الأولى والأسابيع القليلة اللاحقة للاغتيال، والسماع بأن الحجم السياسي للاغتيال سينتهي خلال أيام ثم أسابيع ثم أشهر ولم تنته مفاعيله بعد ولن تنتهي إلاّ بعد صدور القرار الظني عن رئيس لجنة التحقيق الدولية، أياً كانت المفاجأة التي يتضمنها القرار.
يقول مصدر دبلوماسي رفيع المستوى في الأمم المتحدة، إن التحقيق مر حتى الآن بمراحل خمس. الأولى الأدلة الجنائية اللبنانية التي يرأسها العميد هشام الأعور وجاءت تقاريره واستنتاجاته مطابقة للمراحل اللاحقة من التحقيق. المرحلة الثانية قام بها المحقق الإيرلندي بيتر فيتزجيرالد الذي أكد لمسؤول لبناني قبل سفره صدور مذكرات توقيف بحق الضباط الأربعة لاحقاً وذلك بعد اجتماعه بهم. المرحلة الثالثة التي أثارت صخباً حولها هي التي قام بها ديتليف ميليس الثعلب الألماني الذي ما زال على موقفه من الاتهامات التي توصل إليها مع مرور الزمن وجرى توزيعها “خطأ” على الدول ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن ثم جرى استرداد التقرير وتنظيفه من أسماء المسؤولين الواردة فيه. المرحلة الرابعة مع المحقق البلجيكي سيرج براميرتس الذي مارس عمله بسرية تامة مستعيداً كل مراحل تحقيق لجنة ميليس بدقة علمية ومتأنية الى الحد الأقصى للتمعّن في الوقائع والاستنتاجات، فبدا عمله وكأنه رئيس مختبر للتحليل يقرر تجزئة ما بين يديه من مواد ليتأكد من صحتها.
دخل التحقيق الآن في المرحلة الخامسة والأخيرة. ما يسعى إليه المحقق دانيال بلمار هو التأكد من الأدلة التي تحتويها ملفاته والبحث عن أدلة جديدة تؤكد الحقيقة الأولى.
يعيش سعد الحريري هذه الوقائع. يتمهل مرة، ويتعجل مرات في مواجهتها. فالمواجهة تسعى إلى فريقه السياسي إن هو حاول التجاهل. والمواجهة تكون من فريقه السياسي إن هو حاول التباسط. لكن الوريث الشاب يستطيع أن يشكر جمهور رفيق الحريري الواسع الانتشار والذي يلبّيه كلما استجار به، وسيفعل يوم السبت المقبل، يستطيع أن يشكره على صموده حين تصبح المحكمة حقيقة قضائية تجلس على قوسها في الأول من الشهر المقبل.
هل نجح سعد في ما أراده منذ أربع سنوات؟ هل تراجع التفويض العربي الدولي المعطى لرئيس مجلس الوزراء بعد تجربة اتفاق الدوحة؟
لا جواب بدقة على هذه الأسئلة قبل ظهور نتائج الانتخابات النيابية المقبلة، مزيّنة بصورة المحكمة الدولية.
في السنة الأولى لاغتيال الرئيس الحريري سألت سعد ما إذا كان قد تصالح مع نفسه. في الثانية كتبت له أن النجاح هو الثأر. في الثالثة «صامدون». ماذا عن الذكرى الرابعة؟ بعد كل ما سبق هل هناك من عنوان غير الجرح أعود إليه.

**الشكر، كل الشكر للذين تفقدوا انقطاعي عن الكتابة في رسائلهم الالكترونية والتي لم تتوقف منذ 7 أشهر حتى الأمس.