نهاد المشنوق » حديقة البخور 8

حديقة البخور 8

حديقة البخور 05 ديسمبر 2005 0

تَهِفُّ رائحة البخّور في أروقَةِ المعبد صباحاً. يُوقِدونَ أغصاناً منه في زوايا القاعة الكبرى في الشتاء. يمشي الكاهنُ من غُرفَتِهِ إلى تلامذتِه. يتنشّقُ الرائحةَ الدافئة. ينتعِشُ قليلاً بعد واحدة من لياليه البيضاء. يسمعُ صوت سيّدة تُنادِيه. يلتفِتُ. يجد حَنَانَ عُمُرِه. حاجّتَهُ الكبيرة. والدَتَهُ تُسرعُ الخُطى نَحْوَهُ مبتسِمة. معها شقيقتاهُ صاحبةُ العين الحادّة والأُخرى الصوفية التي تعرفُ عن عقيدتها أكثر ممّا تعرفُ عن دُنياها.
يركضُ نحو الحاجّةِ الكبيرة. يقبِّلُ يَدَها. يُقبِّلُ وجْنَتَيها يُقَبِّلُ كتِفَيها. لا تتركُهُ لِثَوانٍ وهي تَضُمُّه إلى صَدرِها يُقبِّلُ شقيقتَيْه. هنّ حصَّتُهُ في العائلة يأتين إليه كُلّما سَنَحَتْ لهُنّ الظروف. حنانُ عُمره لا تنتَظِرُ الظروف. بل تنتظِرُ شقيقتيه سوياً أو واحدةً منهما أن ترافقها لزيارته. المشوارُ بعيدٌ عليها. شوقها يسبِقُها للقاء إبنها. تفتَخِرُ به عن بُعْد. تَتَذَكّرُهُ بالدعاء.
يرافقُهُم إلى غُرفَتِه. يستأذنُ للذهاب إلى تلامذته. يَشْعُرُ بعينَي حاجّته الكبيرة تخترقان عَقْلَه. يستعجلُ في الخروج تُناديه: انتظِر. أمشي معكَ إلى قاعة الدرس. أتنشَّقُ رائحة البخّور. أفتقد حاجتي وهي بعيدة أو حتى قريبة في مدينتي البعيدة. يتمهَّلُ هو دون رغبة. يعرف أنّها ترى الأسئلةَ في عينيه ولا يُرِيدُ أن يبدأ نهارَهُ بأجوبةِ الضَّعف.
أمسَكَتْ بيده متّكئةً عليه أُريِدُ أن أطمئنّ عليكَ. بالي مشغول. فَرحْتُ بأوشحتِك. كلُّ مَنْ أعرِفُهُ هنَّأَني عليها لم أُفَاجَأ بنجاحِكَ بعد مرضِ السنوات عُدتَ مُنتصِبَ القامة. ثابتَ القَدَمين. لماذا يملأُ الحزنُ عينيك. كانت يدُك اليمنى ترتجفُ من آثار مَرَضك. إذا بي أرى اليُسرى تلحقُ باليُمنى اليوم. ماذا حَدَث؟ أخبرني. ماذا بينَك وبين شَغَفِكَ؟ أين هي أُرِيدُ أن أراها. دُلَّني على طريق جناحِها واذهب إلى دروسِك.
ابتسمَ عميقاً قَبْلَ أن يبدو عليه الارتِبَاك. جاءتْ قارئةُ فنجانِه. لا يستطيعُ منها فكاكاً. قال لها هي في زيارة إلى أهلِها. أُنهي صفوفي أعودُ إليكِ وأُجِيبكِ على كلِّ أسئلتِك. لم تقتنِعْ. عادت وحدَها إلى غرفتِه. ذهب هو إلى تلامِذته. وصل إلى بابِ قاعة الدروس. وجد الشاهدةَ الثانيةَ على شَغَفِه. تلميذتَه الصغيرة تنتظِرُه مرتبِكة.
قلتَ لي أن أصِفَ لك سيدتي وأنا أُسَلِّمُها الرسائل. هل تسمَعُني الآن يا سيدي. أو بعد انتهاء الدرس.
فَهِمَ الرسالة. الصغيرة تؤجّلُ قولَ ما عندَها لأنَّ ما فيه لا يَسُرُّ سيدَها. قولي بِسُرعةٍ تأخّرْتُ على التلامذة. تُجيبُهُ لا تزالُ على بهائها، استَلَمَتِ الرسالة شكَرَتْني بكلمةٍ واحدة وابتسامةٍ صغيرة.
اكتمَلَ النّهار. كان الصبرُ دواءَ الليل. صار رفيقَ اليوم بأكملِه.
أنهى دروسَه بما بقِيَ لديهِ منْ قُدرة. ومشى نحو غُرفته تدورُ الأحداثُ في رأسِه بِسُرعةٍ فائقة يرتِّبُها يُنَظِّمُها ليَحكيَها للحاجّة الكبيرة. يحتارُ كيف يُخبِرُها. ماذا يُخْبِرُها؟
وصل الى القاعة الكبيرة للمعبد. وجَد حاجّتَهُ الكبيرةَ تجلِسُ على مقعدٍ جانبي تنتظِرُ مرورَه لتقْطَعَ عليه الطريق. هو يعرِفُها تُريدُ أنْ تَعْرِف كلَّ شيءٍ. لم تُصدِّق روايَتَهُ عن أنّ إلهَتَهُ ذَهَبَتْ لزيارةِ أهلِها. جلسَ بجانِبِها مُسْتسْلِماً وضعتْ يدَ الاعترافِ على كتِفيه روى لها الحكاية دون أن تسأل.
انتظرَتْني كُلَّ السنوات، تردّدتُ بقدرِ انتظارِها وأكثر. لم تَعُدْ تستطيعُ الاحتمال. تخلّتْ عن كُلِّ شيءٍ. تَرَكَتِ المعبد ذهبتْ إلى عاديّات الحياة وجَدَتْ” آخرَ” يُقاسِمُها عاديَّاتِ الأيام. إلتزمَتْ به. حاوَلَتُ أوراقاً. كلماتٍ. أحْرُفاً. تَعَهُّداً. تنازُلاً. إلتزاماً. شَغَفاً. أفْرَغتُ قواميسَ اللُّغَةِ من كلماتِ الشَغَفِ. لم ترتدِعْ، لَكِنّني لن أتَراجَع.
دافَعتُ في حياتي عن الكثير من القضايا التي آمنتُ بها. اندفعت الى حدّ التهوّر في وجه الظُلْم. عرَّضت نفسي للخطر مرّة، اثنتين ثلاثاً، انتصاراً لحريّة الآخرين. لم أفتَخِرْ مرّة بما فَعَلْت. عَرَفْتُ آخرين يذهَبُونَ إلى الموتِ لنصرة قضيتهم. عرفت سجناء أمضوا سنوات طويلة من حياتهم دون أن يتخلّوا عن رأيهم فبماذا أفْتَخِر؟ قضيتي خاصة جداً؟ صحيح، لكنني أرى فيها انتصاراً لحريتي، انتصاراً لقلبي، انتصاراً لحقيقتي على ما استسلمت إليه من التزام لعقيدتي طوال عشرين سنة.
أنا لا أملك الجواب. شجاعتي تزداد في كلّ الاتجاهات. نحو كلّ الخيارات. لن أتخلّى عن التزامي. لن أتخلّى عن حقيقتي. لن أتنازل عن حُرّيتي ولو فعل الجميع وأوّلُهُم هي. لن أتخلّى حتى لو داخل السمّ جسدها. حتى لو سكن الشيطان عقلها حتى لو اشترت قلباً جديداً مصنوعاً من الآخر.
فَعَلتْ هي كلّ ما يصيبه عن سابق تصوّر وتصميم. فلتَفْعَل. تستطيعُ أن تملأَ جَسَدَها كُلَّهُ واقعية. لن يتنازل هو صاحب القرار في نفسه، في إعلانِ رَغْبَتِه، في إشهار حقيقتهِ، في التمسّكِ بِشَغَفِهِ حتىَ اللّحظَةِ الأخيرة من حياتِه.
لم يبقَ من سنيّ عمري ما يجْعَلني أندَم على ما سيأتي. يكفيِني التزاماً أنّني لم أترك سنواتي الماضية تعتب عليّ، تخجل مني، ترتبك فيّ.
اعتدتُ يا حاجَتي الكبيرة لسنوات عمري كلّها أن أفعل ما يريده الآخرون منّي، أقارب، زملاء، أصدقاء. أفعل ما أستطيع لهم، أبَلْسَمُ جِرَاحَهُم من إصابات الدهر قدر استطاعتي. عيّنوني كبيرهم، أعقلهم، أكثرهم حكمة. عملتُ بإمرة قدَرَي دون سؤال.
نسيت أنّني لم أفْعَل شيئاً لحقيقتي. الوحيدة التي ذكّرتني بما أريد كانت هي. تجاهلت سؤالها. حين نزلت عليّ حقيقتي صادقة صائبة حارّة ذهبتُ إليها أحمل سنواتي معها ردّت بالتجاهل، إنما أنا لن أقبل حكماً لوقائع عادية حصلت في غفلة من الزمن، في غفلةٍ من عقلي، في غفلةٍ من شغفي.
ابتسمت الحاجة الكبيرة تجالد الدمع على فرحَتِها الأولى من أبنائِها، قالتْ لَه لا تتراجَع أفرحْتَني بما سمِعْتُهُ منكَ. ليس عندي الكثير أقدّمه إلا الدّعاء، إنما لا مانع من إرسال ورقة لها، أطلب فيها مقابلتها.
يعود إلى غُرفَتِهِ.
تستقبله أعشاب الهدوء. ينام يَسْتَيْقِظْ على قَرار…
يُرتِّبُ نَفْسَهُ، باكراً، لمقابلةِ رئيس الكهنة في المعبد. يذهَبُ إليه، يستأذِنُهُ لجلسةِ مصارَحة يُرَحِّبُ به رئيس الكهنة بحماس فهو لم يعتَدْ عليه ضيفاً في مكتبه. نادراً ما فعلَ ذلك.
يبدأُ الكاهن الحديث: أريدُ أولاً أن أعترِفَ أنّني أخطأْتُ في حقِّ العقيدة. تَردَّدْتُ كثيراً قبل النطق بهذا الاعتراف، لكنّني وَجَدتُ نفسي أمام حائطٍ مسدود. لا أَسْتَطِيعُ الإمسَاكَ بعقيدَتي، وأنا مُخْطِئٌ بِحَقِّها. تَردّدتُ لسنواتٍ قبل الاعترافِ. لم يعد لي من قدرة على إخفاء الحقيقة. أكملْ. أكملْ. يَقُولُ له رئيسُ الكَهَنة مُبتسِماً ويُخفي ذُهوله. هو يعرفُ قصّة الإلهة لكنّه تغاضى عنها احتفاظاً بعلم الكاهن في معبدِه طالما أنّ الإلهة ذهبتْ إلى عاديّات الحياة لماذا يُربكُ الكاهنُ نَفْسَهُ وَيُرْبِكُهُ؟
يُكْمِلُ الكاهنُ كلامَهُ: ما عادِ يكفيني الاعتراف أُريدُ الاستئذَان من العقيدة وتَرْكِ المعبد. أُريدُ الذهاب إلى الحياة العادية. أُعَلِّمُ في جامعةٍ ما أنشُرُ أفكاري بين مَنْ يصنعون المستَقْبَل. أُعذُرني سيّدي، أُريدُ العودةَ إلى عالمَ البَشَرِ العاديّين.
أبلغ والدتَهُ بقراره، ودّعه أهله. ذهبَ إلى غُرفَتِهِ. وضَّب أغراضَه. ضَمّ إليها مجموعة أعشابٍ متنوّعة أوّلها أعشاب الهدوء. نزل إلى القرية يعرِفُ صاحب فندقٍ صغيرٍ علّمَ أولادَهُ في مدرسة المعبد. ذهب إليه أعطاه أحْسنَ غُرَفِه. وضع ما حمله حيث يجِبُ في الغُرفة. نَظَرَ إلى المرآة. كانت المرّة الأولى التي يرى نفسَهُ فيها بثياب مدنيّة. تمعّن في شكلِه صار يضحكُ: ستبدأ من الليلة حياةً جديدة عادات جديدةً.
مضى على كَهْنوته ثلاثون سنة. كم يحتاجُ من الوقت للدخولِ إلى عالم العاديين؟ يترك الاسئلة. الواقع يُعَلِّمه. صار في مُنْتَصَف العُمر ويبدأ حياتَهُ من جديد؟ مرّة أخرى يؤجّلُ الأسئلة.
بدأ نهارَهُ في يومه “المدني” الأول منذ ثلاثين سنةً بالكتابة إلى ثلاث جامعاتٍ في الولايةِ التي يسكُنُها. مَضَى عليهِ أُسْبوعٌ في الفُندق الذي يعيشُ فيه يرتاح من الأحاسيس التي تتفاعلُ داخِلَه. لا يُريدُ أن يُخبِرَ شغفه بما فعل.
تعودُ إليه الاسئلة كيف لإمرأةٍ تَعِيشُ كُلَّ هذا الزَمَنْ مع رجل، وتخلوُ منه لأنه مَخْزَنٌ أُفْرِغَ مِنْ مُحْتَوَاه يَلْعَبُ الهَواءُ بِغُبَارٍ ما كان فيه؟ ألا تَعْلَم أنّها رائِحَته الأولى. أنها العادات الاولى للطفل الصغير الذي هو فيه. أنها، أنها، أنها..”.