نهاد المشنوق » حديقة البخور 7

حديقة البخور 7

حديقة البخور 28 نوفمبر 2005 0

تَتَكَسَّرُ الصُوَرُ في ذَاكِرَتِهِ. تَتَنَاثَرُ أجْزَاؤها. يَضِيعُ أحْلى ما فيها. لا يَبْقى مِنَ الصُوَرِ إلاَّ أقْساها. يَقَعُ الأجْمَلُ مِنْهَا في الهاوِيِة. يَرْمي بِنَفْسِهِ مُحَاوِلاً التِقَاطَها. لا يَنْجَح. يَتَذَكَّرُ صُورَةً يُحِبُّها. تَضَعُ شَغَفَهُ في وَاجِهَةِ الجُنونِ الباسم.
تَستيقِظُ القريةُ صباحاً يفتحُ أهْلُها أَعْيُنَهُم بنشاط. تفتحُ أبوابَ متاجِرها، مَقْهاها، فُنْدُقِها الصغير. تبدأ الحركةُ في الشوارع. يَزدادُ الضَجيجُ يبدأ كلُّ من في الشوارع يُحدِّث الآخر. ماذا حدث؟
جُدرانُ القرية مُغَطَّاةٌ بأوراقٍ بيضاءَ عليها كلامٌ يفهمُهُ البعض. آخرون لا يفعلون. رسائل من كاهنٍ إلى إلَهة. من حبيبٍ الى حبيبته. من رجلٍ إلى شَغَفِه.
هُم مُتَعَوّدون على قراءةِ ما يُعَلَّقُ على حائط عمدةِ القرية من دعوةٍ إلى اجتماعٍ أهلي. أو تكليفٍ بمَهامّ. أو تعليماتٍ مِنْ سُلُطات المدينةِ بِمُخْتَلف نواحي حياتِهِم.
العجائزُ اعتبروها تعريضاً بِمَعبدِ كَهَنَة البَخّور. الشُبّانُ قرأوا فيها قِصّةَ حُبّ. فَرِحوا. صاروا يُنَاقِشونَها . في الرسالة الفُلانيّة قال كذا عنها. في رِسالةٍ أُخرى وَصَفَها كما لا توصف امرأة عادية. الشابّات يَحلُمنَ بمن يُحِبُّهُنّ على طريقةِ الرسائل.
الشباب يَحلُمونَ بِجَمالِ صاحِبَةِ الرسائل. أذكاهم قال هذه قِصّةُ حُبٍّ ممنوعة لم يَجِدْ صاحِبُها إلاَّ جُدرانَ القرية لإعلانِها.
ينشغلُ أهل القرية بالرسائل يَجْتَمعُ مَجْلِسهُم برئاسةِ العمدة. يُصدِرون بياناً يُعلِنونَ فيه تبرُّؤَهُم من هذه الرسائل ومن إلصاقِها على الجُدْران. يُريدون إرضاءَ مَعْبَدِ البَخّور جارُهُم التاريخي. سببُ شُهْرةِ قَرْيَتِهِمْ وإقْبَالِ الناسِ من كُلِّ البلادِ عليها سُيّاحاً ومتبرِّكين.
وحدها تَعرِفُ مَنْ فَعَلَ ذلك. “بيبي” اسمها العاديّ بين الناس. أحبّت الاسمَ بَدَل ارتباك الناس بين صفتها السابقة، إلَهةً في المعبد وبين عاديّات الأيام من حياتِها.
“بيبي” هو الاسمُ الذي اختارَهُ لها الكاهِن. يُناديِها به. في لياليهما. أرادَتْهُ أيضاً ذِكْرى مِنْ أيّامِه. يأخُذُها الاسمُ بعضَ الأحيانِ بعيداً لكنِّها تعودُ بِسُرعةً إلى الواقع الجديد “المريح”. تنزِلُ مِنْ بَيتِها إلى الشارع. إلى الشوارع. تقرأُ الرسائلَ واحدةً واحدة. تفرَحُ مِنْ واحدة. تَبْتَسمُ مِنْ أُخرى. تَعْبسُ مِنْ بَعض الكلمات. تجولُ بين رسائِلها. تعتزُّ بِنَفّسِها. تَنْتَشي بِقِصّةِ شَغَفَها. تَتَذكّرُ كاهِنها بين رسالةٍ وأُخرى فَتَبْتَسِمُ لا أكْثَر ولا أقَلَّ.
لا تُريدُ للأحداث أن تُشَوِّشَ المَسار الذي رسَمَتْهُ لِنَفْسِها. تَخَافُ أن تُصدِّقَهُ فتذهب إليه ويَعودُ إلى عاداتِهِ القديمة، تبريراتِهِ المتكررة. يُمرِّرُ بينهما كلماتٍ تُحِبُّها. يَفْتحُ لها خِزَانة الشَغَفِ في غُرفَتِها. تَفْقُدُ قُدرتها على الصمود. تَعودُ لِقَدَرِها الذي هَرَبَتْ مِنْهُ. تُؤجِّلُ الكلام مَعَ نَفْسِها. تَخْرُجُ مِن القريةِ إلى سُهُولِها تَرْكُضُ، تَبْكي، تَضْحَكُ، تَرْكُضُ. تُخْرِجَ ما في داخِلِها من قوّةٍ مُعَبَّأَةٍ مُنْذُ زمَن. تَبْكي لأَنَّها فَقَدْت شغَفَها. تَضْحكُ من كَلِماتِه لأَنّهُ لا يزالُ على عهدِه. ما هذا الرجلُ الذي لا يترُكُ عقيدةً يُمْسِكُ بها. ولا يتركُ شَغَفَاً يستولي عليه هُياماً، روحاً، عقلاً، قلباً. يُسَبِّبُ من الحيرةِ ما يكفي قريةً بِكامِلِها.
أُريده الآن إلى جانبي. لا لن أَفْعَل. أُملأُ عيني منه. لا لن أَفْعَل. أستمِعُ إلى كلماتِهِ فقطْ. لا لن أَفْعَل. اشتقْتُ للجلوسِ في حُضْنِه. لا لن أَفْعَل. أرمي بدلعي عليه. هو يعرِفُ مفاتِيحه. أبداً لن أَفْعَل.
تَجْلِسُ لاهِثةً من الركْضِ تُنَاشِدُ ثَنَايا دِماغِها أن تتوقَّف عن الحركةِ باتِّجاهِه. تنظُرُ إلى البعيد فَيَنْهَمِرُ دَمْعُها سريعاً. ويهدأُ سريعاً لا تنتبِهُ إلاَّ والشمسُ إلى مغيب. تعودُ إلى القرية. تدعو في قلبِها أن لا يربِطَ أحدُ بين الرسائِلِ وبينها. تتقصّدُ الحديث مع صاحب الدُكّان المجاور لمنزِلِها. تُحيّي جارتها الثرثارة. تُسَلِّمُ على جارةٍ أُخرى لا تَجِدُ في نَظَراتِهم أو كلامهم ما يوحي بترابط قصتِها مع الرسائل الملتصِقَة على الجدران ؤلا تَزالُ حديثَ القريةِ. الكاهِنُ يَبْتَسِمُ في غُرْفَتِه في المَعْبَد. وجَّه لها الرسالة الكُبرى. لولا قليلُ من ترَدُّدِ ما زال يلْبَسُهُ لنزل بنفْسِهِ إلى القريةِ يقول هذه رسائلي لها. لم يَفْعَل. الأيّام قادمةُ.
يكتُبُ لها أيضاً. يقولُ أتابِعُ هُجُومي ببطء. لا بُدَّ مِنْ ثُغْرةٍ في هذا الحائط المصفَّح.
17
في قَصِيدَةٍ لِشَاعِرٍ حَدِيثٍ بيتٌ يَقُول:
إنَّي أعلنْتُ عليكِ… الحُبَّ أو الحرب؟
لا أذكُرُ أَيَّهما قَصَدَ الشاعر.
صِرْتُ أُفَضِّلُ الحرب تَقْتُلُ تُقْتَلُ سِلاحاً. قَصْفَاً. دَمَاراً.
تَخْسَرُها. يَبْقَى لِرِواتها جُمْهُورُ يَنْتَصرُ لكَ واحدٌ أو أكثر. يَنْتَصِرُ لِغيرِكَ سامعٌ وليس أكْثَر.
الحُبُّ روايَةُ واحدة. تَقْتُلُكَ دونَ شُهُود.
وحيداً. تقرأها. صفحةَ حُبِّ. صفْحَة حرب…
ما رأيُكِ لو كَتَبْتُ على عَلَمِ المعبدِ عن شَغَفي بكِ أُعْلِنُهُ مُبَاركاً أَحْمِلُهُ إلى ساحةَ القرية. أَقِفُ هُناكَ. أَتَجَاهَلُ التَسَاؤُلات. أقرأ لهُم ما كَتَبْت.
القرارُ لِمَنْ ؟ لجديدك أو لِشَغَفكِ ؟…
18
شُو بَدَّك هَلْق؟
سمعتها لسنواتٍ منْها. ترافقُها هزَّةُ رجلٍ لا تتوقَّف. اشتباكُ يَدين. تنفكُّ وتعودُ إلى الاشتباكِ. تنتقلُ الأصابعُ خلالَ ثوانٍ يميناً. يساراً. فوق. تحت. أحاولُ أن لا أضحك لا أستطيعُ. أنا لا أعرفُ أصلاً السؤال هل هو إعلانُ حربٍ صغيرةٍ. هل هو إعلانُ ظهور موجةٍ عاليةٍ من الدلعِ. هل هي روايةٌ عن جرمٍ ارتكبتهُ أم أن السؤال هو الجواب.
أضحكُ. تزدادُ الحركات عصبيَّة ليس أمامك إلاَّ شو بدّك هلق؟
ماذا أفعل؟
أستسلِمُ لقذيفةِ السؤال دون محاكمة. لا قُضاة. لا جمهور. لا هيئة محلَّفين.
روايتكِ التي لم أسمعها بعد صحيحة.
جُرمي واضح لا ضرورَة لشهُود.
طلباتكِ التي لا أعرفُها أوامر لبيتَها، تطْلب!!
لا تهدأ. لا تستمع. الادانةُ واضحةٌ مثل عين الشمس.
الوقتُ ليلٌ. لا عين شمس الآن.
تعودُ كلَّ الحركات يدخلُ كتفاها على الخط تضيفُ رمشا عينيها إلى الأسلحة. لا أعود أرى شفتيها من كثرَة الارتجاف.
أرتاح. الإدانةُ واضحةٌ لكنَّ لغةَ جسدها تسحرني. أنا أحب كلَّ ما يتحركُ فيها.
تتقدم أمامك. الناسُ تمشي. هي تنتعلُ الأرض وتتقدم كتِفاها إلى الأمام. لن أتحدث عن الباقي.
ما رأيكِ بإدانةٍ ثانية؟
هل تعرفتِ إليها.
صار الكاهن يَكْتُبُ عن إيمانه. لا يَكتبُ عنها. لم يَعُد يَهُمُّهُ غَضَبُها. رِضَاها. جَهْلَها. معرِفَتَها. حِيرَتُها. أسئلَتَها. لم تعد حكايةً صغيرةً عن عِشقِهما تُخرُج منه ابتسامةً. لم تَعُدْ وَقَائِعَ كبيرةً من شَغَفَهما تَلْفِتُ نظرَ قَلْبِها.
صَارت “فوق” أحَاسِيسها التي عرَفها معها. تَنْظُر إليه بِعَيْنينِ جَامِدَتينِ. تَتَحدّثُ مَعهُ بِكَلِماتٍ باردة. يُفَتِّشُ عن حَواراتها لأشْهُرٍ فلا يَجِدها. ينامُ على سُؤالِ هذا إذا نَامَ. يَسْتيقِظ على اسْتِفسارِ هذا إذا صَحا مِنْ غَيْبُوبَتِهِ.
فَقَدَتْ تَرَفُّعَها معي. كيفَ تتحوّل فراشةً منِّي إلى مَحْرَقَةٍ لي؟ تتجرأ على الطلّب إليَّ أن أفعل ما يُريحُ “الآخر”. لا تهمّها كرامتي. لا تعترف بكبريائي.
انْتَبَهَ الآنَ إلى أنَّ سَنواتَ عُمْرهما خاوية إلى حَدِّ الفَرَاغ. تَأَكَّدَ مِنْ قُدْرَتِهَا على المُسَاوَمَةِ على سَنَوَات عُمْرِه.
مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا لَيْسَ مَاضِياً. لَيْسَ حَاضِراً. هُوَ وَهُم مَكْسُورُ فَقَطْ. يَتَحَمَّل وَحْدَهُ مَسْؤُولِيَّةَ مَعْرِفَتِهِ الآن.
يعرف أنه يهين سنوات عمره بهذا الكلام. لكن أيّهما أصح؟ رؤية الإهانة على حقيقتها ينفعك سمّها في الشفاء. أم الخديعة الكاذبة تُفَتِّشُ في حُثالتها عن أوهامِك؟
يَستَيْقِظُ الكاهِنُ صباحاً يُمْسِكُ بِرِسَالَتِهِ يُعطيها لِتِلْمِيذَتِه الصَغِيرة. يقولُ لها: أُنْظُري فيها جيداً تَصِفيها لي غداً.