نهاد المشنوق » حديقة البخور 5

حديقة البخور 5

حديقة البخور 14 نوفمبر 2005 0

أيامٌ وأسابيعُ من الحَيرة. القلقُ، الحُزنُ، الوجعُ، انتهت الآن. دخلَ عليهِ الفرحُ دُفعةً واحدة. أخْرجَ نَفَساً عميقاً وطويلاً من صدرِه يصلُ لشدّةِ اندفاعِه أميالاً إلى الأمام.
السبب؟
جاءتْهُ تلميذتُهُ الصغيرةُ صباحاً تَحملُ الجوابَ. المظروفُ مماثِلٌ للذي يرسلُهُ إنما من لون آخر. التعابيرُ المكتوبةُ عليه هي نفْسُها أيضاً. خاص، شخصي، عاجل.
يُمسِكُ به، لا يريدُ فتحَهُ، يتمهّل، شغفُه داخِلَهُ كيف يَستعجِلُ عليه؟ يصبرُ دقيقةً أو اثنتين. يذهبُ إلى غرفتهِ، ينفرِدُ بنفسِه، يريدُ أن يرتشِفَ كلماتِ شغفِهِ بأهدأ من الهدوء.
يفتحُهُ ويبدأ في القراءة…
أكتبُ لكَ؟!!! لا تسخَرْ… ليسَتِ الموهبةُ الوحيدةُ التي تَتفوّقُ عليّ بها… سأحاول. ليستِ المَقْدرةُ الوحيدةُ التي استخرجْتَها مني… أفاجَأُ بنفسي من جديد… بإخفاقٍ جديد… لا أُجيدُ لغةَ التلميحِ… هي اختصاصُك. سأحاول.
تُجبرُني على تعاطي الرسائل.. لن أُدمِنَ عليها كما أدمنْتُ عليك..
قلمُكَ المتبختِرُ على مسْرَحِ حياتي يستعرضُ عضلاتِهِ على ذكرياتي!!! أهو سلاحُ تدميرٍ جديد؟ أم عِدّةُ “نصب” جديدة؟ قلمٌ عجيبٌ غريبٌ… يُضحِكُكَ ويُبكيكَ في آن! كصاحبهِ…
أ
ألّفا كتباً جديدةً لتفسير الأحلامِ، أحلامهما.
أعطيا المَشاعرَ المعانيَ التي تُنَاسبُهما…
ترجَما “الشغف” بلغةٍ غريبةٍ عن سائرِ الناس…
مارَسا القداسَةَ بطقوسٍ عجيبةٍ وبمعابدَ مُستعارة…
تركا صفحات النهاية لكتابهما خاليةً…
الشعار “العلم عند الله”، كما العرّافون!
ألم يكذب المُنجِّمون ولو صَدقوا؟
أتعرفُهُما؟

ب
مسحورةً كانت لسنواتٍ طوال…
وساحرُها ذو سحرٍ فريد…
لا يُخرِجُ أرنباً، لا يُخرج زهرةً…
يُخرِج شمساً، مطراً، قلباً.
يُخرجُ عاصفة فلسفةٍ للحياة، دفئاً، ثلجاً.
يُخرج تواصلاً عبر البحار، حلماً، كتابة…
يُخرج خاتماً، وعداً، غيوماً من العطور والأكاليل…
ثم يُخرج سكيناً!
أتعرفه؟
ج
اقتحَمَ حياتَها، رتّبَ أفكارَها، أيقظَ مُختلفَ الأحاسيسِ فيها، روّضَها كما أرادَ، شذّبَ أشواكَها، غيّرَ عاداتِها، خبّأها في نفق ، كتبَ مُعادَلَةَ مستقبلِها، ماضيها، برْمَجَ “يويو” عواطفِها، اخترعَ لها نظامَ تشغيلٍ وإطفاء.. ثم أحرقَ جهاز التشغيلِ وهاجَر..
كم هي ظالمةٌ؟!!
أتعرفُهُ؟
د
تخلّى عنها أولَ مرةٍ.. ثم مرةً ثانية.. ثلاثاً.. أربعاً.. عشرين.. مئة مرة.
أتعرفه؟
الدهشة؟
أخْرجَ لكلّ المُقرّبين سرَّهما من كَبْوَتِه..
أحْدَثَ ضوضاءً من دهشاتٍ..
ثم نفضَ غُبارَ الأوهامِ واختفى..
ترك وراءه زوبعةً من تساؤلاتٍ.. وتَبخّر..
بقيتْ هي لتروّضَ الإعصارَ بابتسامةٍ وكذبة..
هو المُدهش.
أتعرفه؟

هـ
هو المريضُ بها..
هي.. هو دواؤها
..شُفيَ المريضُ.. أدمنَتْ هي على الدواء..
بعد عمليةِ استئصال عَسيرة.. هي على طريقِ الشِفاء..
قبضَ عليها مُتلبِّسَةً في غرفةِ العنايةِ الفائقة تَرتكِبُ جُرمَ الشِفاء منه..
تصوّر؟! القاتلة!
أتعرفه؟
و
كَتبَ هو الفصْلَ الأكبرَ من حياتِها..
قلبه؟ صفحةً واحدة ربما.
بعدَهُ؟! ستكتُبُ هي الباقي.. دون استئذانِه، ولو كان صفحةً واحدة.. ستفعلُ ليكتمِلَ الكتابُ.
أتعرفه؟
انتهى كلامُها.
يَضحكُ فرِحاً، تصلُ ضحكَتُهُ إلى السماء، هي رفيقتُه لصِيقَتُه، حديقتُه، عُمره، عقله، رؤياهُ، سَمَعُهُ، نُطْقُهُ، هي أيضاً قلمُه؟
من أين أتتْ بهذه التعابير؟ كيف لَبِسَ الأسلوبُ قلمَها. من أوراقِ رسائلَ بعثَ بها إليها ؟ هل هناك طَبْعاتٍ من البشَرِ تُطبَعُ على قياسِ بشرٍ آخرين؟ هل يدخلُ الدمُ إلى شرايينِ شخصينِ مُختلفينِ فإذا بِهما مُكمّلان أحدهُما للآخر لا حياةَ لهما إلا معاً.
لم تَكتبْ له في حياتِها. تَكتبُ للمرّة الأولى يجدُ حرفةُ كتابتِه في الأحرف. قسوتُها يعرفُها، لا جديدَ فيها، لا وقتَ لديه الآن إلاّ للفرحِ، للابتسامةِ. لو كانَتْ أمامَه لحمَلَها عن الأرض، دارَ بها في المعبد غرفةً غرفة. قاعةً قاعة. يقولُ للجميع هذه عقلي، هذه نورُ معرفتي، هذه قلمي، هذه حِبري الجارح، تقرأ عشراتٍ قليلةٍ من الأوراقٍ. تَكتبُ أفضلَ مني أسلوباً، أكثرَ حدّة، أكثر مُحاسبة، أكثر دقّة، القليلَ من الحقد، الكثيرَ من الجَرح.
بعد ذلك تستغرب دفاعي “عني”، هجومي “عليّ”، رغبتي “فيّ”، شغفي “بنفسي”، دهشتي “بحريتي”، فرحي “بغروري”. هي كل هذا وتكتب بقلمي أيضاً!!
شفاهةً. قلت هذا مقدور عليه. كتابةً؟ هذا ليس بمقدوري. لن أرضخَ حتى لو كان هذا قَدَري. صلاتُكِ في القراءة، في الكتابة أيضاً؟
“آمنّا وصدّقنا”، هذا قول الصوفيين لشيخهم الأكبر إذا تحدثَ، إذا كتبَ. انبهاراً منهم، إعجاباً، إيماناً، اعترافاً، تسليماً بعلمه، بمعرفته. معها تُضاف “الموهبة”. هذا كفر أم إيمان؟ من باستطاعتهِ أن ينزع منه رغبته، غروره، دهشته من نفسه، من أحاسيسه، من ماضيه، من حاضره، من مستقبله.
هو، هي. كتابة؟
لم أسمَعْ عن مَثيلٍ من قبلُ. لا أنا ولا غيري. ليست نصاً في أي كتاب. حتى في كتب الديانات القديمة. هل هي طريقة صوفية جديدة نَسينا أنَّ باستطاعتنا دعوةَ الناس إليها؟
يقرأ رسالتَها، مرّة، اثنتين،. ثلاثا. يُقرّر الردَّ عليها بعد أن يُحاسِبَ نفسَه علناً. وإلا فما معنى كلامِهِ عنها.
يقول عن نفسِهِ ما لم يقُلْه أحدٌ عن عدّوه. يَدَّعي الشجاعة، يُمَارِسُهَا في كبائر الدنيا، يَمْتَشِقُهّا سلاحاً على كبار الناس، يَسْتَبْدِلُهَا جبانة في شَغفه، في قضائه، في قدره، في عمره، في معابدهما.
كيف يَهربُ من عنوانٍ دائم لهما، يَحْتجبان فيه شغفاً. أنتِ شجاعته يَتْرُكها ليعود إلى قَفَص الجُبَنَاء؟
11
أستنجد بكِ، كما لم أفعلْ من قبلُ. أناشدكِ كما لن أفعلَ من بعدُ. أعتذرُ من قلب الأم، عَصَبُ الأخوةِ، أعتذرُ من سُكانِ الحي الذي تسكنينه فرداً فرداً. لا أفعل ذلك عن ضُعفٍ، بل عن رَغبةٍ وصدق، أكرَهُ جبني، أكره نفسي.
كيف لمَنْ دُنياه بيده يُمسكُ بالعقيدة ولو لحين؟
صبرُك عليّ، تعبيرٌ خاطئ. شغفُكِ فيّ لعشرين سنة، لا يُعَوَّضُ بكل كلمات الاعتذار. في كل القواميس. في كل اللغات.
لم تُغضِبي مرة، إلا وكان هُناكَ حديثٌ مع أو عن امرأة أخرى. تَنظرُين إلي. أجيبُك مُدّعياً للحديثِ مضموناً علمياً.
لم تغفُري لي إلا دائماً. تحملَتْ عِلمَي. حفظْتِهِ عنيّ حتى لا تشعرين بغربةِ الحديث. كيف لمن غفرانُ عمره معه أن يَغيبَ؟ مهما كان الداعي. أياً يكن الدُعاء.
من قال إنّ للجنّةِ أعداداً حتى يتركَ واحدةً ويُمسكَ بالأخرى؟
الجنّةُ إيمان. فعل، رؤيا، رغبة، توق، قوة، تذهب بهذه الصرخاتِ إليها. لا تطمعْ بغيرها، فتخسَرَ الجنّةَ وما فيها.
أدينُ نفسي مستحقاً، موافقاً، معترفاً، صادقاً، خائناً لكبريائي، مُتجرداً من صَلفِ غروري، مُتخلياً عن خوفي من حقيقتي. أُظهِرُ عَجْزي، هروبي، ارتكابي، تخلّيَّ. أُخرجُ ضُعفي كله من داخلي. وحدك أقنَعتِني لسنوات طويلة أن عجزي مؤقت. “تكفي قوتك لعشرات”. التعبير لك. عاطفةُ امرأةٍ تُداري ضُعفَ رَجُلِها.
هل يكفي هذا جَلْداً لنفسي أم استأهلُ أكثر؟
الجوابُ لكِ.
قرأتُ نصّكِ، أجيبكِ عِلماً بعد أن صَحوتُ من إغماءة أسلوبكِ.
تصفينَ كلامي عنكِ بتساؤل. هل هو أداةُ نصبٍ جديدة، أم عمليةُ تدمير؟
التدميرُ اختصاصكِ هذه الأيام. النَصْبُ صحْنُكِ المُفضّل قبل القضاءِ عليّ ولو مؤقتاً. تَضحكينَ منه ولصاحبِه بسبب تَمتُّعِك به.
عضلاتي على ذكرياتِك؟ لا أرى أو أكتبُ إلا وقائعَ. لا أعترفُ بالوصف، و من يصفُ عمرَه بالذكريات، من يَصِفُ حاضرَه بالماضي.
ترويضُ الإعصارِ، قدرتكِ، شجاعتك، تَثِبين صُعوداً إلى الأعلى، تصغُرُ الحواجزُ. تختفي. تقفزين. بارعة أنت في هذا. خلاّقة.
ترفضين استئذاناً لم أطلُبْه، لا أسمعُهُ، ولا أعرفُه. كتبتُ تلميحاً من خوفي أن أُصدّق، من عجزي أن أعلمَ، من رفضي للاستسلام، من كل الذي “فيّ” شفاهة وكتابة.
أصبحتُ مَريضاً، غرفةَ عناية فائقة، هروبَ الأطبّاء؟ أنتِ لا زلتِ دوائي، لا زلت سحري.
لماذا ذكرتِ القداسة؟ هل “آخر” يعطيكِ حقّ تشويهِها، التخلّي عنها تلزيمِها؟ أين هي اليوم؟ اتخذتُ عنواناً ثابتاً. هل هي عنوان؟ لم أشعُرْ مرةً بالمكان مستعاراً أو ثابتاً،أنتِ المكان والزمان. أنتِ العنوان لمن أضاعَ سبيله مثلي.
ليتَكِ كتبتِ أكثر. أو أكثر، من الأكثر. يَفوحُ ما تبقّى من رائحة البخّور في أسلوبِك.
لن أُكمِلَ.. لا أقْدُرُ على جُرحٍ ينزفُ بخوراً.
يلجأ إلى تلميذته الصغيرة.. تحمل الرسالة..