نهاد المشنوق » حديقة البخور 4

حديقة البخور 4

حديقة البخور 07 نوفمبر 2005 0

قَبو العِطارةِ في مَعبدِ البخّورِ يَمتلئُ صناديقَ منظّمةً. خشَبُها منَ الصّنْدَل. تَتَدَاخَلُ الرَوائِحَ العَطِرةُ في أنفِكَ. في كُلِّ صندوقٍ عشبةٌ مختلفةٌ عن الأخرى. لكلٍّ منها خيرٌ وفائدةٌ. أعشابُ الهدوءِ والنومِ والسكينةِ موضوعةٌ في زاويَةٍ. آخِرُ الصناديقِ. مَنْ يحتاجُ إليها في مَعبدِ البخور؟
لا أحدَ. سَاكِنْ المَعْبَد يَمْنَحْ غيرَهُ الهدوءَ والسكينةَ. المعبَدُ عنوانُ أمانٍ. العقيدةُ مَسْكَنُ السكينةِ.
الكاهِنُ الطبيبُ المسؤولُ عن القبوِ لطيفٌ إلى حدِّ الودّ. ذكيٌّ إلى درجةِ اللّمعانِ. صَبورٌ حتّى لو نَفِدَ صبرُ كلِّ الآخَرين. ابتسامتُهُ تشمَلُ كلَّ الذينَ يتحدّثونَ إليْه. مُستعجِلٌ دائماً. ذاهبٌ إلى حدائقِ المَعبَدِ. عائدٌ إلى الصلاةِ. ينتهي منها يُسْرِعُ نحوَ غرفتِهِ. لا تَراهُ إلاّ داخلاً أو خارجاً.
خَصَّصَ غُرفةً خارجَ المعبدِ لنفسِهِ. يَستقبِلُ فيها المرضى الذينَ يأتُونَ إليهِ منْ كُلِّ أنحاءِ البلادِ.
يَصِفُ لهُمْ منْ أعشابِهِ ما يَشفيهِمْ. نَجَحَ حتّى ذاعَ صِيتُهُ في كلِّ القرى والبلادِ.
كانَ الطبيبُ الكاهنُ خبيراً بالأعشابِ. صارَ خبيراً بالبَشَر. يقرأُ في وجوهِهِم الكلماتِ التي سيسمَعُها منهم. لبِسَ عَباءةَ الساحِر.
اختارَ كاهنةً رفيقةً لهُ في عملِهِ وفي عُمْرِه. مَهَمَّتُها الاستماعُ إلى المرضى. زَرَعَ فيها ضِحكتَه. أعطتْهُ منْ صَبْرِها. تستمِعُ ساعاتٍ وساعاتٍ في اليوم. تبْدَأُ نهارَها مبتسمةً. تَخْتِمُهُ أكثرَ ابتساماً. تسجِّلُ حكاياتِ المرضى كلماتٍ ورموزاً. لا أحدَ يَعْرفُ قراءتَها إلا هي. في أوراقِها حكاياتُ العالَم. وجَعٌ. استسلامٌ. تمرُّدٌ. قهرٌ.
صارتْ خزّانَ معلوماتٍ. حكايا. صورٌ. لأناسٍ لا يخطرُ ببالِ أحدٍ أنّهُمْ يطرُقونَ بابَها.
يمُرُّ الكاهنُ الطبيبُ بقبوِ عِطارتِهِ مساءً. يَطمئنُّ إلى ترتيبِ صناديقِهِ. مُصادفةً. يَفتحُ صُندوقَ أعشابِ الهُدوءِ ليَطْمئنَّ إلى صلاحيّتِها. لم يَستعْملْها منذُ زمن. يجدُ الصندوقَ ناقصاً بما يَلفِتُ النظر. حارَ قليلاً. خرَجَ سائراً نحوَ غرفتِهِ. يَلتقي كاهنَ العقيدةِ. يسألُهُ الأخيرُ: ما بكَ في وجهِكَ حَيْرةٌ؟ يجيبُ: لا شيءَ مُهمّاً. أعشابُ الهدوءِ تَنقُصُ كثيراً. مشغولُ البالِ على مَن استعْمَلَها، ليسَ على نُقصانِها. يَرتبكُ كاهنُ العقيدةِ. يُكْمِلُ طريقَهُ. يتذكَّرُ. ما استعمَلَهُ لا يَلفِتُ النظرَ. كيفَ عَرِف ؟
يَنتظرُ هُبوطَ الليلِ. يذهَبُ نَحْوَ القبْوِ. لِيتأكّدُ مما قالَهُ الطبيبُ الكاهِنُ. يبدأ سيرهُ إلى حَدَائِق المَعْبَدِ. يُنَاجي السّمَاءَ سَكِنةَ وهدوءاً. يَلمَحُ من بعيدٍ امرأةً تُغطّي نفْسَها من رأسِها حتى أخمَصِ قدَمَيْها. تذهَبُ نحوَ البابِ الخلفيِّ لقبْوِ العِطارَة.
اقترَبَ منَ البابِ الخلفيِّ بحيثُ لا تُراهُ المرأةُ. انتظَرَها حتّى تَخْرُجَ. عرَفَها منْ مِشْيَتِها. هيَ تَمْشي متوثّبةً إلى الأمام. إنّها إلهَتُه.
يتْرُكُها تذهَبُ. سيَستيقِظُ المَعبدُ على صوتِهما لو اقترَبَ منها. يَدْخُلُ إلى القبْو.
يَجدُ صُندوقَ أعشابِ الهدوءِ مفتوحاً. عرَفَ القصةَ. كانتْ لصيقتَهُ في أحوالِ الدنيا. صارَتْ شريكتَهُ في صُندوقِ أعشابِ الهُدوءْ. هوَ يَستعمِلُ الأعشابَ لافتراقِهِ عنْها. هيَ تستعينُ بها عليْه.
لا حقيقةَ بمتناوَلِهِ غيرُ العَودةِ إلى الكتابةِ. يذهَبُ إلى غرفتِه. يُضيءُ شمعةَ ليلِهِ، شاهدةَ كلماتِهِ، ويكتُب.
10
قلتِ لي مرةً:
حينَ كانَ الحديثُ بينَنا مُتاحاً.
حينَ كانَ الكلامُ بينَنا مُباحاً.
حينَ كانَ الخصامُ بينَنا مُحالاً.
تضْحَكينَ مرةً. تُخْفينَ ضِحكتَكِ مرّاتٍ.
تقولينَ كَلِمةً تخبّئينَ عشْرَ كلمات.
تَلمِسِينَ رُوحي. تهرُبينَ منْ بقيّةِ اللمَسات.
قلتِ لي إنّكِ تعوَّدْتِ. رسالةٌ على سريركِ. تبتسمينَ للمظروفِ الأبيضِ. تضحيكنَ لمضمونِهِ أحياناً. تتأثّرينَ ببعضِ الكلماتِ الأخرى. تفرَحينَ لذاكرةٍ تكتُبُ نوراً وانبهاراً. وكأنّها المرّةُ الأولى. الكلمةُ الأولى. الرسالةُ الأولى. الشعورُ الأوّلُ. القُبلةُ الأولى. أشياءُ أخرى. وقائعُ أخرى. تفاصيلُ أخرى. بعضُها لي. أكثرُها عليَّ، لوماً، عتَباً، مَحبّة.
ما عرفتُهُ هو إطلاقُ نارٍ على “ادّعاءاتي”. عاطفتُكِ أعرفُها. ليستْ جديدةً عليّ. كتبتُها. لا بأسَ. هل هناكَ شيءٌ آخرُ تقولُه؟
إعذِرْني. لديّ موعدٌ معَ المستقبَل. أنتَ منَ الماضي حتى لو كنتَ أحسنَ مَنْ “عبَّرَ”عن شَغفِهِ بي.
لديّ تجرِبةٌ أخرى. أكمِّلُها حتّى النهاية. نهايتُكَ أنتَ أمرٌ لم يعُدْ يَعنيني. أنتَ المُخْطِئُ. أنت المُجرمُ. أنتَ المقصّرُ. يكَفيكَ أنَّك ماضٍ جميلٌ. تُريدُ أكثرَ من ذلك؟ ليسَ معي.
ليسَ منْ حقِّكَ أنْ تَعْرفَ مُسْبَقاً. لا يَهُمُّني إنْ عرفْتَ لاحقاً. لا أراكَ. في وجهِكَ <<الخيانةُ>>. لا أحدّثُك. في صوتِكَ “الغدْرُ”. هل هذا واضحٌ أم تُريدُ شرْحاً أكثر.
لماذا لا تفهَمُ أنّهُ لم يعُدْ لكَ حقوقُ الشغَفِ. لطافةُ المحبّةِ. التقديرُ للأيّامِ. للأسابيعِ. للأشهُرِ. للسنَواتِ. للكلماتِ. للأرصفةِ. للمقاعِدِ. لليالي القداسةِ. لرائحةِ البخّورِ “لابتسامةِ سَحَر”.
حتّى هذهِ فَقدْتُها. ليسَ باستطاعتي أنْ أجعلَهُمْ يُحبُّونَكَ بعدَ اليوْم. اقتربَ منهُم “آخرُ”. وجدَهُمْ جاهزينَ للمحبّةِ أخذَهُمْ ووضَعَهُم سلاحاً في وجهي.
لا تسَلْ أكثرَ. يَكفيكَ ما عرفتَه. ألا تكتفي تَجْريحاً، عندي كلُّ أنواعِ التجْرِيحْ. اختَرْ نوعاً يناسِبُك. دعْني أسترِحْ.
اذهَبْ إلى الآخر كي أؤكّدَ عدمَ اعترافي بكَ. نهايةَ شغفي. تخلّيَّ عن بخّوري. تنازلي عن قداستي.
أصدّقُ كلَّ ما تكتُبُ. كلَّ ما تقولُ. هذه جائزةُ تَرْضيةٍ. هل تكفيكَ؟
يُجيبُ هو نفسُه..
رسائلي على سريرِك عادةٌ لطيفةٌ؟ الكتابةُ عنك استِسلامٌ.
أنالُ من نفسي بدَلاً منْ أن تَفعلي. لا ينتهي الكلامُ بينَ يَدَيّ.
كأنّني ما افتقدْتُكَ يوماً كما اليوم.
كأنّني ما أردتُكِ يوماً قبلَ اليومِ.
كأنّني ما شممْتُكِ يوماً قبلَ اليومِ.
كأنّني ما عرفتُكِ يوماً قبلَ اليومِ.
كأنّني ما أخطأتُ بحقِّكِ قبلَ اليومِ.
وكأنّني ما عرفتُ الندَمَ قبلَ اليومِ.
كأنّني لا أكتُبُ عنكِ. بل أعدّ خسائري لوجعِ الأيامِ المُقْبلةِ.
لا أقتربُ إحراجاً لا أبتعدُ هرَباً. لا أضْغطُ كلاماً. لا أقبَلُ واقعاً. ماذا أفعلُ؟
شبّهتني مرةً من شدّةِ ملاحَقتي لك، بنفسك. اعترَف للمرّةِ الأولى بأنّني لستُ أقلَّ منك شغفاً.
لمرّةٍ في حياتي يَنفجرُ داخلي كَلاماً وكتابةً وقراراً. بلا إحراجٍ. بلا تَخفٍّ. بلا توارٍ. بلا تحَفُّظٍ. وكأنّ حريّتي خرجَتْ من مَخبَئِها مرةً واحدةً.
أَشْعرُ بفرحةِ الحُريّة. بأنّني أحبُّ. أعبّرُ. أصْرُخُ وَجَعَاً. أكْتُبُ فَرَحَاً. أَتَمَتَّعُ بِكُلِّ جزءٍ أحبُّهُ كُلَّ الوقت. لا يَمْنَعُني شيءُ عَنْ ذَلِك. للمرةِ الأُولى أَشْعُرُ أنّنَي قَبَضْتُ على حُبّي عَلَنَاً. شَغَفَاً. غِبْطَةً. فَرَحاً.
أكتُبُ كلَّ الكلماتِ التي أعْرفُها.
أتحدّثُ عنْ كلِّ الأشياءِ التي أحِبُّها.
أقدِّسُ كلَّ الأحلامِ التي حَلَمْتُها.
لم تترُكْ ليَ تفاصيل الأيامُ أن أعبّرَ عن كلِّ هذهِ المَشاعِرِ من قبلُ.
كاهنٌ صغيرٌ يَعشقُ إلهةً. من أينَ يأتي بالحَقِّ لقولِ كلِّ هذا. للكاهِنِ العقيدةُ. للإلهةِ كتابُها. لا يحقُّ لهُ الارتباطُ بامرأةٍ إلا بعدَ ترْكِهِ المَعْبدَ وثوبَه والعقيدةَ.
انقلبَتِ الآيةُ. الكاهنُ يَكتبُ شغَفَهُ. الإلهةُ تقرأ في كتابٍ آخرَ. صفحاتُهُ جديدةٌ. بعضُها غيرُ مَقروءٍ. فوقَ ذلكَ تطلبُ الى الكاهنِ أن يَقبَلَ بكتابِها الجديد. هو لنْ يفعلَ. حتى لو غيَّرَ عقيدتَه. حتى لو خلَعَ ثوبَ الكَهَنوت. حتى لو عاقبَتْهُ ملائكةُ المَعبدِ. حتى لو سُجِنَ بينَ حِيطانٍ أربعةٍ من كُتُبِ عقيدتِه. لن يَقبَلَ. كاهِنٌ أحَبَّ إلهةَ بَخّورٍ أقوَى منَ القدرةِ على تركِها.
هي تتركُه فريسةَ كلماتِهِ تأكُلُه ندماً ووجَعاً. يقولُ لها. اكتُبي نصَّ خروجِكِ مني. “يُقالُ خرجتْ عليهِ دلالةً على حملِها السيفَ للقتال”.
أمّا الخروجُ منهُ فهوُ حالُ قتالٍ معَ النفس. تُخْرجُ فيها قلبَه من ثنايا أضْلُعِها.
إذا فعَلتِ أقبَلُ بالنّصِّ. أصبحُ حاملاً لثلاثةِ قلوبٍ. أدخُلُ التاريخَ. أقولُ لهُمْ لديّ قلبي منها. قلبُها لها. قلبُ يوميّاتِ الحياة.
أعيدُ إليك قلبَكِ؟
لن أفعلَ…

تذهَبُ التلميذةُ الصغيرةُ بالرسالةِ مرّةً أخرى، تعُودُ بالمفاجأة.