نهاد المشنوق » حديقة البخور 3

حديقة البخور 3

حديقة البخور 31 أكتوبر 2005 0

تأخُذُ التلميذَةُ الصغيرَةُ الرَسائِلَ. تَضَعُها على سَرير سَيدتِها. تَعودُ. تُجِيبُهُ أنها لم تَرَهَا. تمرُّ أيّامٌ. يَزْدادُ حَيرَةً. وَلعاً. شوقاً. غَضَباً.
كيف لا تَرُدُّ. كلماتُهُ لم تُكْتَبْ لِغيرِها. أحْرُفُهُ لم تُحْفَر إلا لها. يَقِفُ الناسُ بالمئاتِ يستمِعونَ إليه. يَزْهو الناسُ به وهو يَمُرُ بَيْنَهم. وهي لا تُجِيبُ رَسائِلَهُ.
مِنْ أجْلِ مَنْ؟ ماذا تُريدُ؟ إهانتَهُ. أم إهَانَةَ نَفْسِها. هو كاهنُ العقيدَةِ. كَبيرُ طائِفَتِهِ. يقرأُ الناسُ بالآلافِ مؤلفاتِهِ. صَنَعَ شجاعَتَها. شَذَّبَ كلماتِها. دَوَّرَ أحْرُفَهَا. كَبُرَتْ في عَيْنيِهِ وأمامَهُ يوماً بعدَ يومٍ.
عَرَفَ “جميعها”. تَحدَّثَ إلى نَسَمَاتِهَا نَسْمَةً، نَسْمَة. لم يَتْرُكْ في خَرِيطَتِها عَلَماً. روحاً. خطاً لا يعرِفه. لا يُصادِقُهُ. لا يُحِبُّهُ. لا يُمرِّرُ يَدَهُ عليه.
أخَذَتْهُ العِزَّةُ بنفسهِ. قال تُريدني. تأتي إليّ. تقفُ خارجَ المعبدِ. تنتظرُني حتى أخرجَ. تسمعُ مني الكلامَ الذي لم تسمعهُ في حياتِها. لن يترُك شغفهُ يَقضي إنتصاب قامَتِهِ.
يهمسُ لنفسِهِ. هي أيضاً لنْ تفعلَ. أليستْ شاهدةَ بناءِ قامتِهِ حَجراً حَجراً. حينَ لا يُعجبُها الحجرُ تأتي بغيرِهِ وتضعُهُ لكي تُصبحَ قامتُهُ أكثرَ رصانَةً. هي شَريكَةُ قامَتِهِ.
يَذهَبُ إلى تلامذتِهِ. يسهو أحياناً. يسهو كثيراً. يَعودُ إلى غُرفتِهِ. يكتُبُ عنها ولها.
يحاولُ النومَ. يجافيهِ. لا يتعرّفُ إليهِ. يتركُهُ يُحاكي السماءَ كلَّ ليلةٍ. ينامُ على فكرةٍ عنها. حركةٌ. تماسُ قداسةٍ. يغفو قليلاً. يستيقظُ واقفاً على خيال صورتها. صارتْ نظامَ ليلِهِ. شوقٌ لا يقولُه. قهرٌ لا يتركُهُ. حوارٌ لا يجدُهُ.
غادرتْهُ صباحاتُ الشغف الضّاحك. جاءهُ فجرُ الليالي المُظْلِمة. صارَ للياليْهِ عناوينُ. أوقاتٌ. تتصارعُ. تنتصرُ. تنهزمُ. لكل يقظة معركة أسئلةٍ.
هو لا يملك الأجوبةَ.
يستيقظُ ذاتَ صباحٍ. مليئاً بالفرحةِ. يرى بعينيهِ إلهتهُ. صغيرتَه. ضحكتَهُ الكبيرةَ. تقرأ الرسائلَ واقفةً. تجلسُ إلى السريرِ دون أن تنظُرَ أين تجلسُ. ترجِعُ إلى الوراءِ باسمةً. فرحةً. تسبقُ الهوى نحوهُ. تناجيهِ عن بعدٍ.
تفتعِلُ لقاءً. لا تنتظرهُ. هي المبادرةُ دائماً. تفكرُ في ما تلبسهُ.
تعيدُ القراءةَ مرةً. اثنتين. ثلاثاً. أربعاً. خمس مرات. تشعرُ أخيراً بأن شغفها استسلمَ لنفسهِ. هي هو. هو هي.
تخططُ لرحلةٍ قريبةٍ. مواطنانِ عاديانِ لا تتسعُ الأماكنُ لما في قلبيهما. لحركةِ أيديهما. لتجاورِ أكتافهما. تذّكرَ مرةً. كانا في زيارة لأحدِ المعابدِ. دخلَ عليها. وجدها تبكي. احتضنها مستغرباً. وصلتْ قبل ساعةٍ. ما الذي يبكيها. لا يطيقُ أن يرى دمعها. بريقُ عينيها للفرحِ فقط. تجيبهُ بصوتٍ خافتٍ. أبكي من فرحتي بك. أحبّها كما لم يفعلْ في أيّ من لياليهما. أشبعها تقديساً، صلاةً. عبادةً. شغفاً. كوَّمَ نفسَهُ تحت جناحَيْ الفراشة فيها. صارتْ تبكي أكثر. غبطةً. محبةً. استسلاماً. فرحت ألوانها. أضاءتْ دنياهُ. هو قضاؤها. هي قدرهُ.
التفتَ حولهُ. وجدَ تلميذتهُ الصغيرةَ تقفُ ورأسُها إلى الأرض جانباً.
اقتربتْ منهُ. قالتْ لهُ. سيدي تركتُكَ ساهياً. لم أشأ إزعاجكْ.
هل منْ جديد؟
لم تُجبْ. أجيبيني. تهزُّ برأسها.
ماذا تعنين؟
نعم تركتْ الرسائلَ على سريرها. لكنني لم أقلْ لكَ في المرة الأولى إن جارتها الثرثارةَ رأتني خارجةَ من منزلِ سيدتي. سألتني ماذا أريدُ؟ أجبتها بأنني أسألُ عنْ سيدتي. لم أجدها. أسرعتْ بالقولِ لن تجديهَا. هي تُمضي وقتها مع “آخر” منذ أشهرِ. لم يعدْ يراها أحدٌ لا في المنزل ولا في المبنى. صاحبُ دكانٍ في الحي. عرفها صغيرةً. قابلها كبيرةً. حكتْ له قصّتها. فرِحتْ أنه قبِلَ بها.
هربَتْ التلميذةُ عندما رأتْ التحوّلَ في عينيْ أستاذها الكبير. داخلهما الشّرُ. الانكسارُ. الثورةُ. دارتْ الدنيا بهِ. يستندُ إلى الحائطِ كي لا يقعَ حلمُهُ على الأرضِ. كيفَ؟ لماذا؟ أينَ؟ يصدِّقُ الصغيرةَ أم يصدِّقُ نفسَهُ. لا يمكن أنْ يحصلَ ما تقولُهُ.
أسئلةٌ لا تنتهي. يذهبُ هو نحوَها حريةً. تذهبُ هي نحوَ “آخر”. ومتى؟
عندما تستسلمُ عقيدتُهُ لهواهُ. تقول له التزامُكَ هو شغفُكَ. تكفيكَ مسؤوليةُ العالم قهراً. عندما تساررُهُ عقيدتُهُ اذهبْ الى فراشتِكَ. لو اكتفيت بألوانها لملأتْ دُنياكَ زهواً. يُقرّرُ أنْ يَسْتَمِرّ في الكِتَابَةِ إليها. يستكشِفُ الأرضَ قبْلَ أنْ يغْرقَ في تُرابها.
7
أفتقِدُها كلَّ يوم. افتقدتُها في الأمس أكثرَ. كنتُ أغارُ منها. صرتُ أغارُ عليها كل يومٍ. أتهرَّبُ من القولِ. أحترقُ. سائلُ الضّعفِ يحلُّ محلَّ الدمِ في شراييني.
أتذكَّرُ لماذا افتقدتُك في الأمس أكثر. كانَت تقول لي حينَ يُقرّرون منحكَ وشاحَكَ العلمي. أتولاكَ أنا مِنَ الألفِ إلى الياء. أولاً الثيابُ. لن أتركَكَ كثيرَ الأناقة كعادتكَ. أقولُ لكَ لأجنّبك الحَسَدَ. الحقيقةُ أغارُ عليك. أشرِفُ على الإضاءة. لن أترُكَ كاهنةَ المراسِمِ تعملُ عليكَ كما تريدْ. أتولى أنا معها وعنها ما تحتاجُ إليه من عدّةِ التزيينِ. يكفيكَ ما عندَك. تريد أكثر؟ أفرحُ أنا لأنك ستبدو أكثر وزناً مما أنتَ عليه. يَكفيك ما ستقولُهُ. أنتَ أقدرُ في هذا. أستمعُ إليكَ كما الصلاة. أدخلُ إلى القاعةِ. أخرّبُ الزينَةَ. أصلحُ لكَ هِندامَكَ. أطلب تَعْدِيلاً ما ستقولُهُ. أقولُ لكَ همْساً “أحبُّكَ” وأخرُجُ.
تحسَّنَ التعبيرُ في المرحلةِ الثانيةِ مِنَ الكلامِ. أترُكُكَ أنيقاً. جذاباً. كما أنتَ. عن جدارةٍ. أستسلِمُ.
لم أجدْها. ولا وَجَدتُ شيئاً مِما وعَدَتْني بِهِ وأنا أنالُ الوِشاحَ الأعلى. لَمْ يُمْنَحْ قبلاً إلا مرتين في تاريخ المعبدِ. هل أخْبِرُ الكاهِنَ الأكبرَ أن واحِدةً مِنْ طائِفَتِهِ تتجاهلني حياةً وتحضيراً وشغفاً؟ هل أخبرُه أنك أنتِ؟
لَنْ يصدّقَ. هو يَرى فيَّ مَثلاً أعلى لِما حَلُمَ بِهِ في شَبابِهِ. هل أخْبِرُهُ أنني استطعْتُ إقناعَكِ بالحلمِ نفسِهِ وأنكِ تَهْرُبينَ مِنْهُ؟ هربْتِ مِنْه..
هل هذا صحيح؟
يُطلُّ المساءُ مبكِّراً. ترتجِفُ يداه. يقال “أسقِطَ في يده”. هو لم تعدْ لديه يدان تلتقطانِ حتى الكلماتِ. سقطَ هو في امتحان الحقيقةِ.
ماذا تفعلُ الكلماتُ؟ ماذا تغيرُ الأحرفُ؟ كلتاهما لا تحققُ الأحلام.
يتركُ كلَّ شيءٍ في مكانهِ. يخرجُ من المعبدِ. ويبدأ الركضَ نحو القريةِ.
الركضَ؟
لِمَ لا؟ رآها برعُماَ يتفتَّحُ. رآها وردةً تتغندرُ. كلُ ورقة فيها حياةٌ. يشمُّها في كل نفسٍ يأخذهُ من الدنيا. رآها حديقةَ بخوّرٍ تنشرُ هياماً رائحتُها عليه. ألمْ يقلْ عنها إنها أحسنُ قدرٍ لحياتِهِ. لا كبرياءَ أكثرُ عزّةٍ مِنْ حديقةِ بخورِهِ. لا كرامةَ تعلو شجرتَها.
يَخطو إلى مستقبلهِ كالمجنون. يَعدو. ويَعدو. ويعدو. يصلُ إلى حيّها. يرتجفُ. ثيابُهُ غرقى بماءِ أعصابهِ مشدودةِ. يهدأ قليلاً. يزداد توترهُ مِنْ نفسهِ. قالتْ لهُ الصغيرةُ. سيدتي تعودُ إلى المنزلِ في هذا الوقت.
لم تعدْ بعدُ. منزلُها مُطفأ الاضواءِ. الشارعُ مُطفأ. وجوهُ الناسِ القليلةُ مطفأةُ أيضاً. هو وحدَهُ يشتعِلُ.
يقفُ في زاويةٍ تقابلُ بابَ منزلٍها. لم يفعلْ هذا في صِبَاه المبكِّر. يفعلهُ الآنَ؟
كأن مساً اصابهُ. أو لعنةً أزيحتْ عنه. لم تترُكْ له الخيارَ. الفرحُ هي. دونَها لا شيءَ.سوفَ تأخذهُ غيومُ الشتاء إلى حيثُ لا يريد الذهابَ. ماذا لدى العاشقِ المكسورِ؟
استنارتْ ثنايا عقلِهِ. انتصبَتْ قامتُه مُجدداً. تَتباهى بما يفعلهُ. كان يجبُ أن يفعلهُ دائماً. تستحِقُّ هي. هو المقصِّرُ. ليس الاولَ. لن يكونَ اخر المنتظرينَ المنتصرينَ لشغفهِم.
ساعةٌ. ساعتان. وصلتّ. صرخَ لها. رأتهُ. ارتجفَتْ. تردّدتْ. بكَت.
اقتربتْ منه. كانت تزينُ نفسَها. لم يلمسُها حتى مُصافحةً. أرادَ أن يملأ عينيهِ منها. كأنه ما رآها قبلاً. تحدثَت يميناَ. يساراً. صعوداً. نزولاً. لم يسمعْ شيئاً. حجزَ غصَّتهُ في عينيهِ.
فجأة وجدَ نفسهُ يصرخُ. هذا عمري كلهُ. هذا حق شغفي. لو صعدَتْ الأرضُ نحو السماءِ. لو أصبحتْ كل كتبُ الدنيا كتبَ عقيدة لنْ المسَها.
لو تحولتْ كل المنازِلِ إلى معابدَ لنْ أدخُلها. لو تغيرَتْ السهولُ والجبالُ إلى حدائقَ لن اشمَّ ورودَها. ليس لأحدٍ أن يسرُقَ مني أصبعكِ. عقيدتي أنتِ. كتابي أنتِ. إيماني أنتِ. حديقتي أنتِ.
لن استبدَلَ سنواتِ شغَفي باشهرٍ عاديةٍ.
أجَابَت. عَرِفْتُ أنّك ستقولُ هذا. لِذَلِكَ لم آتكَ الى المعبد. لا أتحمّلُ سماعَ هذه الكَلِمَاتِ. أريدُ حياةً عادية. أنتَ لنْ تَفْعَل. عقيدتُك أقوى منكَ. كتابُكَ أقدَرُ عليكَ. لم تسألْ عن حديقةِ شغفِكَ اشهراً. عشتَ دونَها. لم تسأل. لم ترسِلْ كلمةً. لم. لم. لم.
يعود إلى الصراخِ. أخطأتُ. أقف في ساحةِ البلدة وأعلنُ خطأي. احرُقُ ثيابَ كهنوتي. تبقى العقيدة حيث هي. لا أحملها معي. ما تفعلينَهُ ثأر وليس خياراً. يرقُّ قلبُها. تبكي أكثرَ. تصمُتُ. تكلّمهُ كأنَها تركتهُ أمسِ.
تنظرُ إليه. تقولُ له دعني أتأملُك. تزدادُ بهاءً. قليلٌ من الوزنِ الزائدِ. لماذا لا تفعلُ كذا وكذا وكذا. تعودُ إلى دورها. تخرجُ سلاحَ خفةِ دمِها عليه. يكادُ يقعُ على الارضِ سحراً. هو لا يريدُ أن يضحكَ.
تقولُ له يجبُ أن اذهبَ. تأتي والدتي بعدَ قليلٍ و… لا تكملْ. يفهَمُ هو.
يعودُ إلى الصراخ. إنما وحدهُ هذه المرةَ. يركضُ في الليل. يصرُخ. يتركُ الطريقَ. يدخلُ بين الاشجارِ ويصرخُ أكثرَ.
لقد فعلَ بنفسهِ ما لم يفعلهُ أحد بَه. كيف لمِترددٍ مثلِهِ أن يستحِّقَ حياتهُ فرَحاً.
كيف مُمسكٍ بواجبِ العقيدةِ أن يلتقِطَ شغفَهْ استحقاقاً.
هدأ قليلاً. نظرَ إلى نفسهِ. العائدُ خائباً من مستقبلِهِ. لا عزَّةَ كبريائِهِ شفعَتْ بينَ يَديها. ولا كرامتهُ استقرتْ شامخةً بينَ عينيها. كلتاهما وقعتْ في السنتيمراتِ القليلةِ التي كانتْ تفصِلُ بينهما. يصلُ إلى المعبدِ منهاراً.
يذهبُ إلى قَبو العطارةِ. يفتحُ صُندوقَ اعشابِ الهدوءِ.
يأخذُ بعضَها.
تعينهُ أنْ يبقى حتى الصباحِ مفتَّحَ الأعيُنِ. إنما بهدوءٍ.