نهاد المشنوق » حديقة البخور 10

حديقة البخور 10

حديقة البخور 19 ديسمبر 2005 0

الطريق بين بلاد النيل وبلاده قصيرة. غير أنها مناسبة للتفكير والتدبير. التفكير يطغى على التدبير. لقد اتخذ تدابيره العاطفية. الشخصية. القانونية. الانسانية. كلها لم تغير شيئاً من المقرّر عندها. اعتقد أنه يستطيع معاندة القدر. توهم أنه قادر على الوقوف في وجه القضاء!
سقطت كل تدابيره في الامتحان. انتقل إلى التفكير. لا بد من الفصل بين عقله وحكاية عمره وإلا فإنه سيدمّر الاثنين. اتفق مع نفسه على الفصل.
لم يجد أحداً يتفق معه. انفصل وحيداً عن تاريخه.
وصل إلى قريته. وجد رسالتين في الفندق بأنتظاره. واحدة باسمه والثانية باسم الحاجّةِ الكبيرة.
عرف مصدَرَهُما من شكْل المظروف وما كُتِبَ عليه خاصّ شخصيّ عاجل. تَعَرّفْت إلى قلمِها مرة ثانية.
في رسالتِها إليه كتبت:
خاص، شخصي، عاجل…
خاص، شخصي، عاجل…
خاص، شخصي، عاجل…
عنوان جميل!!!
لجزءٍ من قصّة؟… لكتاب؟
لا أظُّنّ…
لحياةٍ كاملة؟…
ربما!
من يختصِرُ قصّةَ حياته بعنوانٍ جميل؟
الأشخاص العاديون؟… ربما!
نحن؟ بالتأكيد لا…
لا عنوانها ولا كاتبها يستطيع محوها…
أكتبت على ورقٍ أم لم تكتب…
انتهت الرسالة… كيف يَفْهَمُها؟ لقاءً. وداعاً تزداد حيرتُه…
يُمْسِك برسالتها إلى الحاجّة الكبيرة… يقرأها.
عُدْتُ بالأمس من رحلتي. حَزِنْتُ أنَّني لم ألتقِك خلال زيارتِكِ للمعبد. أُحرجُ في الكتابةَ إليكِ، لذلك سأكونُ صادقة.
لدَيَّ الكثيرُ من الكلامِ أُشَارِكُك فيه. الشيءُ الأكيدُ أنّنا نَتَشَاركُ في الحُبِّ العميق الاحترام والفَخْر للرَجُلِ نَفْسِه. لقد ” عبدْتُ” ابنكِ لسنواتٍ طويلة. اهتَمَمْتُ به أَكْثَرَ من أيِّ شيء آَخَرَ في العالم. هو مَثَلٌ حيُّ لرجلٍ شريفٍ شُجَاعٍ مَبدئي يُمْسِكُ بِكرامَتِه إيمانَهُ بقضيته. لديه شخصيّةُ مُميّزةٌ مُثقّفُ يحترمُ نفسهُ والآخرينً أيضاً طيّبُ القلب حسّاس حازمٌ في الوقتِ نفسِه. ليس هذا فقطْ ما أحبَبْتُهُ فيه هو ابن كبيرٌ. والدٌ حنون. شقيقٌ عظيمٌ. عمَّ. هو كلُّ هذا وأكثر. أنتِ يا سيدتي تعرفينَ أكثرَ مني شَخْصِيَّتَهُ وأطبَاعَهُ.
لا يتابع القراءة. يعرف ماذا ستقول. ستبرر لنفسها ولغيرها كل ما تفعله. لا تريد أن تسمع كلمة تؤثر على قرارها النهائي المحدود المحدّد. زمناً ومكاناً. فلتفعل. هو يريد الخروج من دائرة قدرها. لو اقتضى ذلك قياس الخروج بالسنتيمترات.
يعود ليمسك بالرسالة. يقرأ بضعة أسطر فيها.
لنْ أقولَ إنّني أضَعْتُ وقتي. عِشْتُ شَغَفَاً لا يعرِفُهُ ولن يحياه ملايينُ البشر.
يرمي الرسالة على الطاولة.. من منهما اكثر جنوناً؟
كيف يقرأُ هذه الرسالة؟ من أين يبدأ؟ أين ينتهي؟ من صفاتِهِ بقلمها؟ من أمالها؟ من “الآخر”؟.
تَدُورُ الأسئلةُ في رأسِهِ ولا يَجِدُ جواباً. تشتبِكُ فيه الفرحَةُ الصامتَةُ بين وصفِها له ولأيامِهِما وبين الأسْطُر “الواقعيّة” الجارحة من الرسالة.
يُقرَّرالكاهن تجاهُلِ ما قرأَه.
أكْمَلَ طَرِيقَ حَيَاتِهِ في الجامعة. رتابةً في الأشهر الثلاثة الأولى. كانت تأتيِهِ خيالاً سبعةَ أيام في الأسبوع فقط. تُصيبُهُ بالضياع لا يَتَذَكّرُ نَفْسَهُ مُبتكراً إلاّ عند بابِ قاعةِ دروسِهِ. يُوقِظُ كُلَّ ما في ذِهْنِهِ، يَسْتَجِيبُ العقلُ إنّما دونَ تنظيم. تَسكُنُه صور لضحكة الوجه نفسها. أقساها أن ليس فيها واحدة حقيقية.
صادفها مرتين. الأولى على طريق منزلها. الثانية على الطريق الخطأ. قال لها في الاولى كلام غباء. إنها. إنها. إنها. أجابته إجابة اللئيمات. وهربت.
المصادفة الثانية كانت مع “الآخر” خارجة من وكر مستعار. حضرته كلمات غباء كتبها سابقاً. أنتِ الزمان والمكان.
يوماً أو يومين قبلَ نهاية العامِ. الطقسُ ماطرٌ ومُثْلِجٌ. يَلْبَسُ ثِيابَهُ صباحاً يَنْزلُ منْ غُرفَتِهِ يَجِدُ شَرِيكَتَهُ تلميذَته الصغيرةَ تَقِفُ على باب الفندقِ تبكي. ما بك؟ تقولُ له إنَّها سَمِعَتْ رِجالَ القريةِ يتحدّثون عن انتحارِ سيّدتِها.
ماذا تقولين؟ كيف؟ متى؟ مَنْ قالَ لكِ؟
سَأَلها عشرةَ أسئلَةٍ قبل أنْ يتركَها تُجيبُ. لقد انتحرت يأتونَ بها الآن من القرية الأخرى حيثُ كانت تعيشُ الى هنا.
يتركُهُا ويبدأ الركض تعودُ إليه قدرتُهُ على الصُّرَاخِ. يا زهوَ عُمْري. يا رائحةَ أيامي. يا شريكةَ سنواتي. يا ضِحْكَتي.
يبكي كامرأةٍ ثكلى بأولادها. ينْزِلُ دَمْعُهُ من عينيه إلى الأرض مباشَرةً من كثرةِ اندفاعِه.
يَصِلُ. يَجِدُ جمعاً من أهل القرية حولَها. أين هي؟
يَنْظُرُ إليه جمعُ الناسِ. لا يَعْرِفُهُ أحدٌ منهم، إلاَّ واحدةً. جارتُها العجوزُ الثرثارةُ تَقْتَربُ منه ممسكةً بعصاها. تضعُ العصا في ظَهْرِه تقولُ له. إبكِ بُكَاءَ النساء “شَغَفَاً” لم تُحافِظْ عليه مُحافَظةَ الرجال.