براغماتية الحريري… و”استراتيجيات” السنّة

صادمةً كانت مواقف رئيس الحكومة سعد الحريري من سلاح “حزب الله”. صحيح أنّه سلك سلّماً متدرّجاً في تعاطيه مع مسألة دقيقة، عمرها من عمر “الحزب” والانسحاب الاسرائيلي من لبنان في العام 2000، بلغ حدّ قول ما لم يقله يوماً في مساره السياسي منذ وضع عباءة الزعامة الحريرية على كتفيه، لكن ما أدلى به بالأمس إلى قناة CNBC، تجاوز كل التوقعات.

يجوز القول، إنّ نجل الشهيد، قفز قفزة استثنائية في خطوط “بروفيله” السياسي. هو الذي انخرط في الشأن العام، أقل من متدرّب بحاجة إلى عشرات المستشارين لتلقينه أصول “الخطابة” و”المراوغة” و”الإقناع” و”القنص” و”التصويب” و”التذاكي”… وها هو بعد أكثر من 15 عاماً من التدريب، والطلعات والنزلات، يتقمّص شخصية “ماكيافيلية” بامتياز.

لم يتردد الحريري في وصف نفسه بـ”البراغماتي”. لا يريد بعد اليوم تحميل كتفيه أعباء صراعات الدول، فأنزل سلاح “حزب الله” عن عاتقه ووضعه على طاولة الكبار: “أعرف حدودي وأعرف حدود هذه المنطقة. لو كان الناس جادين في هذه المسألة، لكانوا فعلوا شيئاً قبل 10 و15 و20 و30 عاماً. ربما قد بدأوا القيام بشيء الآن، لكنها ليست مشكلتي أو خطئي أنّ “حزب الله” أصبح قوياً إلى هذه الدرجة”.

عبّر ببساطة عن أزمة يعرف الجميع أنّها إقليمية الطابع والتركيبة، لا تخصّ الحريري أو لبنان لوحده، ولذا قال الأمور بمنتهى الوضوح. تروي شخصية سنية متابعة أنّه فور صدور القرار 1559 قصد السفير الأميركي آنذاك جيفري فيلتمان، رئيس الحكومة عمر كرامي، وتحديداً في العام 2004 طالباً منه الالتزام بمندرجات القرار. قال له “الأفندي” بصريح العبارة “فتّشوا عن غيري لتطبيق القرار”.

بعد أكثر من 15 سنة على مشهدية فيها الكثير من أوجه الشبه الضاغط، حيث يطالب المجتمع الدولي “حزب الله” بتسليم سلاحه، يكرر الحريري الموقف ذاته: إبحثوا عن غيري.

سيجد رئيس الحكومة من يصفّق له تأييداً لهذه المواقف خصوصاً من البيئة المتعاطفة مع “حزب الله”، لكنه في المقابل سيجد حتماً من يعارضه ويحاكي الوجدان السنّي. ومع ذلك، لا يبدي الرجل أي اهتمام لما ستخلّفه “قنابل” مواقفه.

حاول رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة رسم حدّ فاصل متمايز بينه وبين الحريري، لكن السنيورة التزم أدبيات صار عمرها أكثر من عشر سنوات. لم ينتظر عودة رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي اليوم إلى بيروت من إجازته الصيفية، ومن بعده الرئيس السابق تمام سلام، لجمع شمل رؤساء الحكومات السابقين، وفضّل “دقّ الحديد على الحامي”.

ومع ذلك، يُنتظر أن يعاود “ترويكا” رؤساء الحكومات السابقين نشاطهم المشترك فور التئام شملهم خصوصاً وأنّ مفاعيل زيارتهم إلى السعودية سرعان ما هدأت. ويبدو وفق المعلومات أنّ الثلاثة يعدّون لجولة خارجية استكمالية، قد تحملهم إلى بعض الدول العربية لعرض الملف اللبناني.

في هذه الأثناء، كان وزير الداخلية السابق نهاد المشنوق يفكّ صيامه في توقيت ملتهب أعيد خلاله وضع ملف سلاح “حزب الله” على طاولة البحث بدفع من التطورات الحدودية ومواقف الأمين العام السيد حسن نصرالله الأخيرة. المشنوق ليس من قماشة السياسيين المفرطين في الكلام والمواقف. يختار تعابيره بدقة متناهية تدفع راصديه إلى تكثيف جهودهم لتفكيك حروف رسائلها ومعانيها.

تكاد تكون المرة الأولى التي يبادر فيها أحدهم إلى “تقريش” الصراع السياسي بلغة المال والبترول. قالها المشنوق: “لا نفط ولا ازدهار قبل الاستراتيجية الدفاعية”. الربط بدا واضحاً بين الهجمة الغربية على لبنان تحت مسميات العقوبات والضغوطات المالية، وبين التطورات العسكرية، وبينهما “صفقة” الاستراتيجية الدفاعية.

واظب المشنوق منذ مدّة على تصويب مواقف الحريري بعد “انحراف التسوية الرئاسية” التي جعلت من رئيس الحكومة حليف حليف “حزب الله”، إلى أن بلغ “الانسجام” بين بيت الوسط والضاحية الجنوبية حدّ تبادل الغزل والكلام الطيب إزاء بعضهما البعض. لكنه بالأمس نأى بنفسه عن “مستنقع التسوية” مكتفياً بـ”الشكوى” من خرق الدستور.

عملياً، ثمة من يعتقد أنّ اضطرار “حزب الله” إلى رفع سقف المواجهة من خلال الكلام عن سقوط “الخطوط الحمر” ناجم عن التغيير الحاصل في قواعد الاشتباك، وهذا التغيير يفتح الباب على نقاش من نوع آخر. لا بل هو مؤشر واضح الى اشتداد حدّة المواجهة وتالياً الضغوط، ما يفسّر تلازم المسارين: الاستراتيجية أولاً، ثم البحبوحة ثانياً.