نهاد المشنوق » النفي الرباعي 18 – اللهمّ لا غنىً..

النفي الرباعي 18 – اللهمّ لا غنىً..

النفي الرباعي 12 يونيو 2006 0

 

وحده، لم يترك فرصة إلا واقتنصها لزيارة منزل الرئيس تقي الدين الصلح منذ العزاء حتى الآن برغم تغيّر العنوان. تقصدتُ عدم الكتابة عنه مع اخرين إذ انه استثنائي الفكر والرقي السياسيين. يعتبر الوفاء المهمة الاساسية في حياته تجاه اصدقائه. يحافظ عليهم كيفما ذهبوا، ومهما انحرفوا. ينصحهم بالاندفاع نفسه الذي يدعو لهم فيه بالتعقل. 

يبدو في خطواته الواسعة والسريعة كأنه مستعجل للوصول الى هدفه. لكن حين تتعرف إليه عن قرب تجد في تأنيّه ورعايته للأفكار حتى تكبر، وللظروف حتى تنضج، وللضباب حتى ينجلي، ما يجعلك تتعرف الى بحر من الهدوء والغنى الذاتيين، الدفينين في صدره، ما يسمح له بتوزيع الاطمئنان على اصدقائه، فضلا عن السبحات في الوقت الذي يكون فيه ينتظر وعداً بمحطة اساسية في حياته لم تتحقق بعد. 

“فخامة الرئيس”. هذا هو اللقب الذي تعودت مناداة جان عبيد به منذ 25 سنة. اخذت ذلك عن تقي بك. وهو من اشد المتحفظين على اعطاء الالقاب من دون استحقاق. كان يصف رئيس جمهورية فاعلاً في الحياة السياسية بأنه رئيس بلدية في أحسن الاحوال، ويصف جان عبيد نجمَ الوساطات السياسية في حينها بأنه “فخامة الرئيس”. 

تبدو معه العروبة كأنها الضوء لكل مكان مظلم. يمتشقها حواراً مع غلاة الرافضين لفكرة العروبة، وهم ما يسمى القيادات العسكرية والسياسية للمنطقة الشرقية من بيروت. اينما ذهب في السياسة يتخذ لنفسه موقع الموجه المحدّد لمسارات الصواب في العمل العام، بصرف النظر عما إذا كان المواجه له متقدماً عليه في المرتبة او في السن او في القدرة. 

هكذا فعل مع القادة المؤسسين لحزب البعث ميشال عفلق وصلاح البيطار واكرم الحوراني وغيرهم من رواد مقهى “الدولتشي فيتا” على الروشة حين كانت بيروت حضنا للمغتربين السياسيين العرب عن اوطانهم. تعلّم عليهم وحاورهم بحدة الراغب في المعرفة. هكذا فعل مع القادة البعثيين اللاحقين في سوريا. استطاع ان ينسج علاقة ثقة مع الرئيس حافظ الأسد، ثم مع نجله ووريثه الدكتور بشار تخوله قول ما لا يرغبان في سماعه عن احوال ادارتهما السياسية والأمنية للبنان. يجول على اصدقائه القدامى البعيدين عن السلطة في دمشق مؤكداً لهم ان منزلتهم عنده ما كانت لتتغير بتغير المناصب والاحوال. ويذهب الى الجدد في مراكزهم ناصحاً محباً راغباً في عروبة تندرج الى كل لبنان بسلاسة العقل وصحة الموازين واعتراف الرجال بالرجال لا بصغارهم ولا بالمقصرين في القدرة على الابتكار السياسي منهم. 

وهكذا فعل مع القيادة الفلسطينية التي ارتبط معها بحبل الحنين الى تحرير فلسطين، وليس الى الظهور بمظهر المحتل للسياسة اللبنانية ولو على جزء من أراضي الدولة. 

كان محرجاً في كلامه مع القادة التاريخيين لحركة “فتح”، اولهم ابو عمار وثانيهم ابو اياد، الى درجة قبولهم بما يقول مواجهة وتنفيذ الحد الادنى مما سمعوه. لكنهم لم ينقطعوا عن الاستماع إليه حتى اليوم الاخير من الوجود العسكري الفلسطيني في لبنان. 

جاء الياس سركيس الى الحكم في العام 1976 فوجد في “فخامة” جان عبيد العقل القادر على توزيع الافكار المهدئة للعقول المتطرفة في لبنان وسوريا ومنظمة التحرير. استعمل شفاهته بنجاح واقتدار جعلا من المدير السياسي لعقل الرئيس سركيس جوني عبدو يتندر بأعماله وأفكاره. 

تسلّم امين الجميل الرئاسة بعد اغتيال شقيقه بشير فأمسك به “فخامته” ليحرص على تناوله حبوب العروبة في اوقاتها خوفاً عليه وعلى لبنان من التطرف المسيحي. بقي على مناولة حبوب العروبة للرئيس الجميل حتى سقوط اتفاق 17 أيار. بدا كأنه المحرّض الاساسي على عدم الانجرار وراء هذا الاتفاق او ما يماثله، رغم حرصه الشديد على سرية دوره والاقلال الى الحد الادنى من ظهوره الاعلامي. 

لم يُعرف عنه ان له دوراً في لملمة ما بقي من ركام سياسي في فترة الصعود العسكري الشعبي للعماد ميشال عون. لكن الذين يعرفون صلته العائلية والشخصية بالجنرال يقولون انه لم يتردد في لعب دور المهدئ للعلاقات اللبنانية السورية التي شهدت في ذلك الحين اسوأ ايامها ولياليها. 

كانت المرة الاولى التي يُطرح فيها ترشيحه رسمياً لرئاسة الجمهورية في اجتماع مسيحي نيابي برئاسة البطريرك صفير للخروج من مأزق التفاهم السوري الاميركي على مخايل الضاهر رئيساً للجمهورية. 

تبين ان كل صلاته العربية المرفوضة لدى الغالبية المسيحية في ذلك الحين لم تنزع عنه صليبه اللبناني ولم تحرم عقله النيّر من تسمية نواب مسيحيين له رئيساً للجمهورية. 

ينقل عنه الزميل نقولا ناصيف في العام 95 قوله لمسؤول سوري كبير “أنا لست وطنياً عروبياً من حضن الرئيس حافظ الأسد او ياسر عرفات، بل من حضن “الحلف الثلاثي” و”الجبهة اللبنانية” و”القوات اللبنانية” والبطريركية المارونية و”ميشال عون”. 

قد يكون في هذا التعبير وصف من صاحب الحالة المعنية لنفسه في وجه مجتمع سياسي مسيحي يقرأ العروبة على طريقته الخاطئة في وجه حقيقة جغرافية وتاريخية اسمها سوريا، مهما ذهب لبنان بعيداً يعُد وحيداً للتفاهم مع قيادتها اياً تكن هذه القيادة. 

لكل جلسة معه نكهة ولكل نكهة طرفة ولكل طرفة رواية. إذا لم يجد من يستجيب لطرفته يمسك بنسمة الهواء ويجعلها محاورة له فيكثر الضاحكون للمعة في قوله وللطرب في كلماته ولإمساكه الدائم بخاتمة الحديث ملوحاً بيده او ممسكاً للآخر بيده. 

لا تخرج من عنده إلا وفي ذاكرتك روايات تجعلك تفرح عندما تعود إليها، وكلمات تجعلك تفهم ما غاب عنك عندما تتذكرها. من قلائل اللبنانيين الذين يعرفون محتوى “الصيغة اللبنانية”، وهي أعراف وتقاليد ومفاهيم كلما حرص اللبنانيون على معرفتها والمحافظة عليها اقتربوا من الاستقرار. هي صيغة لا صلة مباشرة لها بالدولة او النظام، بل ان فيها الكثير من عناصر التركيبة الكيميائية التي لا يعرفها إلا كيميائي عاصر كل سياسات المنطقة وبقي على توازن في داخله مثل جان عبيد. 

في المرة الاخيرة التي قابلته فيها رويت له مشكلته مع اصدقائه. 

سافر “فخامته” من باريس الى دمشق في طائرة رفيق الحريري وبرفقته للتدقيق في التفاصيل الاخيرة لانتخابه رئيساً للجمهورية بعد اغتيال الرئيس رينيه معوض. فإذا به يتردد في القبول بإخراج العماد عون عسكرياً من قصر بعبدا. سقطت الرئاسة وبقي الود. عاد العماد عون الى لبنان ليخوض انتخابات شمال لبنان من دون اسم جان عبيد على لائحة التحالف مع سليمان فرنجية. 

هو صديق مقيم للرئيس سليمان فرنجية ولنجله طوني ولسليمان الشاب حتى تكاد تعتقد انه من أهل البيت. فإذا بالزعيم الشاب يسمي آخر للمقعد الماروني في طرابلس بسبب اخطاء تقنية. 

هو من الاوائل الذين ربطتهم صداقة حميمة مع الشيخ ثم الرئيس رفيق الحريري. بدأت في العام 1982 واستمرت حتى اغتيال الرئيس الحريري. يزور قريطم في الصباح الباكر من كل يوم جمعة، كما هو الغداء التقليدي مع الرئيس نبيه بري ظهر كل يوم ثلاثاء. 

إذا بسعد الحريري يلتزم موقف حلفائه ويدعم ترشيح آخر عن مقعد طرابلس الماروني. هو الرفيق الصديق المحاور للزعيم كمال جنبلاط، وكذلك لنجله وليد لسنوات طويلة. يسمي وليد جنبلاط بديله في طرابلس. 

ما حاجتك الى الاعداء اذا كان لك مثل هؤلاء الاصدقاء؟ 

يضحك “فخامته” ويلبس سترته ليذهب الى احدهم: وليد بك. الشيخ سعد. العماد عون، ما عدا سليمان فرنجية “فظلم ذوي القربى اشد مضاضة”. وكل أهل الشمال اقارب. لا يترك اصدقاءه وانجالهم منذ الخطأ الاول. اذ انه تدارك الامر ولم يترشح في الانتخابات الاخيرة. يرمم ما يستطيع من صداقات وحوارات ويكمل طريقه نحو الرئاسة كأن شيئا لم يتغيّر. 

لا يزال هاتفه على رنينه اللبناني والعربي وربما الدولي “منعاً للحسد الجغرافي”. إذ انه الوزير الابرز للخارجية اللبنانية منذ العام 80 حتى اليوم رغم جرأته وهي صفة لا تلازم العمل في السياسة الخارجية عادة. بدا في وزارة الخارجية التي تسلمها في الحكومة الاخيرة للرئيس رفيق الحريري كأنه الوحيد القادر على وصل ما انقطع من علاقات لبنان الدولية بالرضا السوري بداية، وبموازاة الرئيس الحريري المنفتح على الدنيا. 

لا يمكن القول ان القيادة السياسية السورية تجاوبت معه. بل ان بعض اجهزتها الأمنية مارس براعاته في روايات وهمية عنه لكبح جماحه. لكنه لم يرتد عن المطالبة باعادة انتشار الجيش السوري، ولم يتوان عن ابلاغ المسؤولين الاميركيين الذين قابلهم بضرورة تفهم الخصائص السورية في المنطقة. ولم يترك مسؤولاً عربياً إلا وطالبه باحتضان التفاهم السوري اللبناني. 

كان تقي الدين الصلح يرى فيه ما اقوله عنه الآن واكثر. إذ ان “فخامة” جان عبيد صلحي، كأنه من رفاق رياض الصلح مع انه لم يعرف الزعيم الكبير، بل بناته. يصف السيدة عليا بما فيها من ذكاء وحدة في الطبع. والسيدة ليلى بما في ابتسامتها من رقة ولطف وتهذيب. ويترك الاميرتين منى ولميا والسيدة بهيجة متحرّرات من وصفه. 

ما علاقة كل ما سبق باللقاء الاسلامي؟ 

اكتشف “فخامة” جان عبيد من اللحظة الاولى لاجتماعات اللقاء الاسلامي اهميته، ورأى فيه تأثير الحركة المدنية المدينية على اللقاء بين الطرفين اللبنانيين المتنازعين في ذلك الوقت. فكان لا يمر اسبوع إلا وهناك بصمة من بصمات “فخامته” على الهيكل الاولي لبيان اللقاء يتركها عند تقي بك، ويذهب ليطبع بصمة اخرى من بصماته في مكان آخر حيث يكون للتقارب مجال… متى “بصمته” على الوطن؟؟