نهاد المشنوق » النفي الرباعي 16 – عينا تبر الذهب..

النفي الرباعي 16 – عينا تبر الذهب..

النفي الرباعي 29 مايو 2006 0

في المستشفى الباريسي المتخصص بالقلب، ظهر ان المشكلة كبيرة ومعقدة، وان علاج تقي بك سيأخذ وقتاً طويلاً من دون ضمان للنتائج.

بدأ توافد اللبنانيين الى المستشفى مما ازعج الادارة الفرنسية للمستشفى التي لم تعتد على أعداد من الزوار، ولو كانوا بالعشرات لا غير. عادت فدوى خانم من بيروت على عجل. فتحت لها المستشفى صالوناً خاصاً بالزوار في الطابق الذي يرقد فيه تقي بك. 

حين يصحو، وكثيراً ما فعل ذلك، أتناوب وإياها على الدخول الى غرفته التي كتب على بابها ممنوع دخول الزوار. أتحدث معه في شؤون عدة بينما هو يلحّ يومياً على معرفة اخبار بيروت. المدينة التي أمضى فيها أحلى ايام عمره وأنضج تجاربه فيها وتعلّم عليها ومنها الكثير. 

صحيح أن أصوله الصيداوية تجمعه بالشيخ رفيق الحريري لكن عراقة طربوشه ومعرفته جاءت من العاصمة. 

مر اسبوعان وربما اكثر، زاره خلالها العديد من الاصدقاء. إنما اكثرهم ضرورة كان الدكتور سعد الخوري نجل النائب الكتائبي المرحوم راشد الخوري عن دائرة الزهراني في الجنوب. 

الدكتور خوري طبيب معروف في باريس وناجح، كما معظم اللبنانيين، حين يهاجرون. الاهم من ذلك أنه بصفته الطبية قادر على التواصل العلمي مع الأطباء الفرنسيين المهتمّين بقلب البك ومعرفة تطورات الازمة التي يمر بها. فوق ذلك الدكتور خوري المعروف بلطافته ودماثة أخلاقه قادر على إيصال الرسالة إلينا بأسلس طريقة ممكنة. 

بدأ أطباؤه بنشر أخبار مطمئنة عن حالته. من يراه في ذلك الحين يلاحظ على وجهه اشارات تجاوز المحنة. 

مضى على غيابي اكثر من شهرين عن عائلتي في بيروت. داخل الاطمئنان قلبي فاستأذنته ان اذهب لأيام الى بيروت أتفقد فيها عائلتي وأعود. 

بماذا توصي يا بك؟ 

سلام كبير للمفتي. طمأنه أنني سأعود قريباً الى بيروت. نكمل ما بدأناه معاً. وطلب خاص. لا تستغرب أريد بيجاما من الماركة الفلانية لونها زهري فاتح أو بيضاء مع قلم زهري من عند محلات حطب في منطقة البريستول. 

لماذا من بيروت. نجدها في باريس؟ 

لا. أريدها من رائحة بيروت. من هناك أحصل عليها كما اريد تماماً. لا تنسى محلات حطب. 

لم يكن بإمكاني مناقشته لا في العنوان ولا في الألوان. إذ دخلت ممرضة تعوّدت الاهتمام به. سألته ماذا يفعل في الحياة. احتار في الجواب ثم قال لها إنه من عائلة متخصصة في بيع أملاكها وتخريج رؤساء وزارات في لبنان. إذ كان هو الرابع من عائلته الذي يتولّى هذا المنصب. اولهم رياض. ثانيهم سامي. ثالثهم رشيد. رابعهم هو. 

نظرت الممرضة الى عينيه الزرقاوين. تمعّنت قليلاً. قالت له “لون عينيك جميل. يغشاهما لون تبر الذهب في بعض الأماكن”. 

نسي البك أزمة قلبه. اتسعت ابتسامته. تابع حديثه معها متحمّساً. أسرعت بالخروج من غرفته فرحاً باندفاعه. 

عدت الى بيروت لأجد الاحوال الى مزيد من التدهور المدروس. 

ذهبت الى محلات حطب في اليوم التالي لوصولي. فهمت عندها ماذا يريد البك. يريد بيجامة انكليزية الصنع بيروتية النكهة. 

فالمحل الذي لا زال على بيروتيته. تجد فيه كل ما تريد من دون ان تراه اذ ان تنظيمه يعود الى ايام كان البيع فيها يعتمد على البركة، وليس على طريقة العرض. 

اتصل بباريس مطمئناً. يردّ عليّ هشام الصلح ابن شقيق البك الذي يعيش في لندن. جاء الى باريس بإلحاح مني للحلول مكاني في الاهتمام بعمّه. هو شقيق منح بك آخر الصلحيين المضيئين بعقله واستشفافه مستقبل العروبة في العالم العربي ومعرفته العميقة بالصيغة اللبنانية التي من كثرة محبتها له نسيت أن تنصفه. 

البلد مليء بالإشاعات عن حدة الخلاف المتصاعدة بين المفتي خالد والقيادة السورية. بعد سفر معلَن له الى السعودية والكويت ولقائه امير الكويت والعاهل السعودي الملك فهد بحضور وزير إعلامه الفريق علي الشاعر في ذلك الحين. 

كان معروفاً ان الوزير الشاعر معني او مسؤول عن لبنان وسوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية وأن قراءته للوضع اللبناني تعتمد العين الفلسطينية. لذلك كان واضحاً أن الاجتماعين تناولا وشجّعا مواقف المفتي خالد في وجه السياسة السورية في لبنان. 

السابع والعشرون من شهر تشرين الثاني نوفمبر 1988.الماكينة الانتخابية المتحركة عمر الزين وأنا نذهب الى منزل المفتي خالد لإبلاغه الرسالة التي حمّلني إياها تقي بك ولوداعه في الوقت نفسه، إذ إنني حجزت للعودة الى باريس في اليوم التالي. جلس المفتي يستمع إليّ عن أحوال رفيقه في اللقاء الاسلامي متماسكاً بإيمانه. متأكداً من حقه فيما يفعل. مدافعاً عن صوابية رأيه. أسأله ماذا جرى من أحاديث في السعودية والكويت حتى تمتلئ البلد إشاعات عن مضمون اللقاءات التي أجراها. 

أجابني وهو يُصلح عباءته العسلية اللون المصنوعة من وبر الجمل والمثقوبة في بعض نواحيها ثقوباً صغيرة. “يا نهاد. عندما أضع رأسي كل ليلة ادعو الله أن يساعدني على نسيان ما قلت”. 

فجأة يرنّ الهاتف. يجيب المفتي خالد ويبدأ بالتمتمة. لا حول ولا قوة إلا بالله. رحمه الله ورحمنا جميعاً. يقفل الهاتف ويكمل بصوت هادئ: العوض بسلامتكم. تقي بك أعطاكم عمره. 

لا أدري ماذا حلّ بي. صرت استعجل الذهاب إلى منزلي لأنهار. عمر يقترح دار الافتاء مكاناً للتعزية، لأن البك شهيد اللقاء الاسلامي. يوافق المفتي من دون تردد. 

أتذكر الآن بعد سبع عشرة سنة على غيابه. ماذا نقصت المدينة. قد يعتقد الكثيرون أن حالها الى الأحسن، وإنني أرى نقصاً لا يرونه هم. 

أكتب الآن وعندي معرفة ثمانية أعوام أمضيتها تلميذاً في مدرسة تقي بك السياسية أن المدينة فقدت معه حكمتها. كما فقدت مع صائب بك شجاعتها. وكما فقدت مع الشهيد رفيق الحريري قدرتها. أسمّي هؤلاء الثلاثة لأن لرياض الصلح في قراءتي حساباً خاصاً لم يستوفِ حقه بعد. 

علّمتني هذه المدرسة الكثير من الدقة التي جعلتني دائم الاشتباك مع من حولي منذ عشرين عاماً. صارت الاشتباكات جزءاً من يومياتي. كلما نفيت مرة عدت مباشرة من المطار الى الاشتباك. تقي بك كان يفعل ذلك إنما بأسلوبه الهادئ الوقور من دون انفعال. لم أتعلم هذا الطبع منه. عرفت عقله ودقة معرفته. اكتفيت بهما. مخطئاً أو صائباً؟ لا أعلم ولا أريد أن أعلم. تأخر الوقت على التغيير. أليس كذلك؟ 

فجأة يدخل عليّ “عفريتي”. التسمية لكاهن معبد البخور الذي أصبح استاذاً جامعياً. الساعة الرابعة صباحاً. ما الذي جعله يُغير عليّ بهذه الطريقة. ربما حدث معه أمر جلل دفعه للمجيء مع وجه الصباح لمقابلتي. طمأنني أنه لم يطرأ شيء لا أعرفه. أراد الحديث فقط بعد أن جافاه النوم. 

خفت ان يطيل الزيارة والحديث. بادرته بالقول. اعلم بماذا تريد ان تعبّر. سأريحك مختصراً. اولاً: أنت زرعت شجرة مسمومة في حديقة حياتك. فلا تدّعي الدهشة عندما تموت شجيرات بخورك. هي رمت سنوات خيرها في جزيرة القرود. أنت استنفدت مداد حبرك وعصبك. أنت المخطوف لسنوات طوال من عمرك. لست مخطئاً بحق احد. لا تشغل ضميرك. غيرك المخطئ. 

ثانياً: علمت ان رئيس كهنة معبد البخور، منعك من حضور الصلاة على السر المقدس لآلهتك. وأنك كتبت له مسترضياً فإذا برسالتك عنها أكثر مما هي له. 

سألتُهُ لمن تروي رواياتك؟ لمن تحكي حكاياتك؟ لمن تتباهى بسخافاتك؟ لمن تظهر سوء غرورك؟ لمن تقرأ رسائلك؟ إعجاب الآخرين بك؟ ألا تعلم ان محاضراتي لها وان عناوينها منها؟ ألا تعلم أن عينيها تحرك القلم؟ وكلماتها تحرك العصب؟ وان ضحكاتها تشعل العقل؟ وأنها فاتحة الاسطر وخاتمة الكلمات؟ 

ناشدت رئيس الكهنة طاهراً كالعشق. نقياً كالشغف. مقداماً كالصدق. تريد همهمات لا تغفو. لمحات لا تختفي. تريدها الوجه الاخير في المساء. الاول في الصباح. ثم تكتب له شعراً منقولاً عن بلاد الطيب والايمان تقول فيه: أنتِ فيها حين أغفو. حين اصحو. حين أُمسي. تلفّني كطفلها بدفئها الحلو الرقيق. فلا أنا أسير ولا أنا طليق. 

اجابك بأن غيابك وصيّتها فكيف يخالفها؟ لا ترتدع. تأخذ نفراً من تلاميذك وتذهب الى المعبد حيث تفترص الصلاة. فإذا به فارغ. تضيع. تذهب الى والدها في عالمه لتقلق ليله فإذا به غير عالم بما يحدث. لم يستأذنه احد ولا دعاه مخلوق الى الصلاة. يوصيك بها. يصفها بأطباع القرود وخفة دمهم. يقول لك انتظرها ستنزل من على شجرة القرود العالية. صدّقت انت وصرت تدور حول نفسك. ساعات من النرجسية واياماً تتحول فيها الى غبار. 

كيف تسمح لنفسك؟ الى متى تستمر في لعبة الإهانة التي تلعبها؟ ألا تعلم أنك تمسك بعقل المدينة حين تريد وتستسلم لشجرة مسمومة تهزّ وقارك؟ 

استسلمت لغوى السحر. جيد انك لم تعلم بانتقال الصلاة على سرّها المقدس الى المعبد الكبير وإلا لكنت سبّبت لنفسك اهانة لا تُمحى. 

كيف تكتب لرئيس الكهنة عنها “أنها تكاد من فرط رقتها عندما تشتهي أن تجلس بين رمشي العين ويبقى متسع من المكان لدلعها”. من هي “طنط روز” التي كتبت عنها رمزاً لكما؟ 

سألني رئيس الكهنة فلم أعرف جواباً. ألا تعرف المثل القيصري الروسي الذي يقول “أفضّل ان أكون أسداً جريحاً على ان أكون ذبابة سليمة”. 

لا يهتز إيمانك. لا تتغير قيمك. ليست هي المقياس. عد الى جامعتك حيث الاروقة تموج لقدومك. حيث الصفوف تفرح لأفكارك. حيث التلاميذ يحيطون بك كما النحل على الورود. هذا طموح العشرات. بل المئات من الناس وأنت لا تكتفي به. نحرت معنوياتها وقيمها لتتخلص منك وانت لا تتراجع. 

“ولكن موعد لمعان نجمها في السماء حل منذ ايام عشرة. لم ألمحه. وكنّا”. لا اترك الكاهن السابق يكمل كلامه. 

قلت له: لن أعلمك اللغة فأنت أستاذها. كنّا تأتي من كان الاخيرة فعل ماضٍ ناقص. أترك لها هذه الصفة. تريد مشاركتها بصفة الناقص أيضاً. هي اختارت هذه الصفة. اتركها لها واتركني اكمل ما بدأت. استعملت طربوش الصوفيين منذ بدأت كتابة النفي الرباعي. تحسبت لهذه الساعة. 

طوى صديقي رقبته كما يفعل حين لا يوافق، وقال جئتك لانك تحتاجني في عنوانك. أنت نفيت مرات ثلاثاً. خذ الرابعة مني بدلاً من الهاتف الرباعي. أنا نفيت من حديقة بخوري. بالمفهوم الدارج للكلمات أنا شهيد رائحة شجيرات حديقتي. أنت نُفيت من المكان. أنا خرجت من الزمان. هل تعلم الفرق بين النفي من المدينة والنفي من العمر؟