نهاد المشنوق » النفي الرباعي 15 – ضيافة الخانم الفرنسية..

النفي الرباعي 15 – ضيافة الخانم الفرنسية..

النفي الرباعي 15 مايو 2006 0

 

وصلنا الى باريس. فدوى خانم تنتظر البك في شقة صغيرة مستأجرة في شارع قريب من كل الفنادق والمحلات الكبيرة. الأهم من ذلك ان الشقة قريبة من المقهى الذي تعود تقي بك على ملاقاة أصدقاءه فيه.

نزلت أنا في فندق مواجه للشقة تعودت على النزول فيه لكثرة جاذبيته ودفء غرفه وخصوصية زبائنه. اسمه على اسم الشارع الواقع فيه. عرّفني عليه صديق قديم جداً كان زميلاً في “النهار” اسمه وليد الحاج. قريب الأساتذة الكبار من آل الحاج ومن قريتهم قيتولي في قضاء جزين. انتقل بعد ذلك للعمل مع أمير سعودي كبير القدر واستمر معه حتى الآن مديراً لأعماله المنتشرة في العالم. 

إقامة وليد الرسمية في لندن حيث زوجته وأولاده. لكنه يقضي معظم وقته مسافراً فيختار الفنادق مثل اختياره لثيابه ولكلماته ولأصدقائه. أي بدقة شديدة وحذر أكثر. لذلك بقي ممن عينهم برتبة “صديق” قلّة قليلة. 

حاولت الخانم ان تتجاوز ما حدث في بيروت مع البك. فصارت تختار له مكاناً او محلاً سبق لها ان رأت فيه شيئاً يليق بذوقه سواء في الثياب التي يهواها او في الأمكنة الجديدة التي يحب هو فيها جمالاً رأته هي أولاً. 

موعد مع الخياط. قماشة من هنا. شال من هناك يقيه البرد. ربطات العنق اختصاصه لا يشاركه فيه أحداً. لو رأى ربطة عنق في واجهة حلاق لوقف يتفرج عليها ويدور حولها تعليقاً ومطابقة مع ثياب. ولولا قلة من عفّة في النفس في هذا المجال لدخل واشتراها. هذا إذا كان يحمل ثمنها. 

بدأت أتعرّف الى اصدقائه الباريسيين الواحد تلو الآخر. السيدة عليا الصلح، التي كان يناديها بشد الياء من اسمها، تقيم له حفل غداء مختصراً في فندق “الكريون” حيث كانت تنزل. تضع كل حدّتها السياسية على الطاولة فلا تعرف ما اذا كنت تتغدى معها او تشهد اشتباكا سياسياً يبدأ بالاستقلال ويكمّل بالسيادة وتأتي الحرية مع طبق الحلوى. 

لم يكن ابن عم والدها هو الهدف الوحيد بل ان صديقها الباريسي المنفى المستحق للقب ضمير لبنان العميد ريمون إده كان يصيبه من الحب جانب. تعليقاً على تصريح او شرحاً لمقابلة إجراها. 

تتصرف مع الجميع على انها الوريثة الشرعية للاستقلال لا ينازعها عليه أحد. تمارس هذا الحق مثل رغبتها في الحياة الفاخرة. هي في متناول اليد. بُعد المسافات وصعوبة الظروف لغيرها ان يتأثر بها. 

الدعوة الثانية من الأخوة نقولا والياس الفرزلي، بعثيان عراقيان من البقاع الغربي يقيمان في باريس يذاكران العروبة ويتابعان أخبار بيروت ساعة بساعة. الأول يسيل من فمه الكلام العذب واللائق مع ابتسامة جذابة دون ان يتخلى عن فكرته التي يمكن ان تكون كثيرة الحدة في مضمونها. 

الثاني مرشح انتخابات دائم لمقعد آل الفرزلي في البقاع الغربي، يتحدث باندفاع وحدّة تجعل وجهه دائم الاحمرار. لا تنقصه نخوة الصديق المحب خاصة عندما ينفعل دفاعاً عن موقف ما. يفعل ذلك بمرافعة المحاماة التي درسها وهو شاب صغير. 

الدعوة الثالثة هي الفارق الحقيقي. لم أعرف أحداً في حياتي ينطبق عليه لقب “الخواجة” كما هو مع ادمون بارودي. لياقة في التصرف. تهذيب في التفكير. أناقة صامتة. خزان من المعلومات التي يرويها وكأنه قرأها في صحيفة الصباح، مع انها تكون آتية من أوثق المصادر. 

لا يدعك تلاحظ قدراته المالية او منازله الجميلة. يربكك من كثرة تواضعه أمام عقل تقي بك. زوجته اللائقة حتى في جمالها تستضيفك همساً حتى لا تزعج ضيوفها. تتقدم “الخواجة” ادمون بارودي وكأنها ظله في طباعه. لا تعرف أيهما أكثر تأثيراً في الآخر. 

يحيط الخواجة ادمون أعماله المتنوعة والمنتشرة بالتحفظ قدر الإمكان على عكس شقيقه الأصغر عهد الذي يحيط أعماله في لبنان بأكبر قدر ممكن من الإثارة. حتى كرمه المشهود له به ليس سراً على أحد عندما يقوم به عملاً او سياسة او شخصياً. الكبير ادمون يحب ملذات الحياة ويمارسها بصوت خافت. الأصغر عهد يجيد ممارسة الحياة بمختلف “جمالاتها” انما بصوته الأجش الذي يجعل من طريقته احتفالاً. 

جاءني عهد مرة في مكتبي في رئاسة الوزراء يسألني أي نوع من الهدايا أفضّل. ضحكت وقلت له خزانتي لا تتسع لما عندي. صار يضحك بصوته العالي قائلاً حتى جماعة فؤاد شهاب قبلوا الهدايا المحدودة وأنتم لا تقبلون. انتهى النقاش بتسوية. علبة من الكستناء الفرنسية تأتيني في موسمها في تشرين الأول من كل سنة الى ان غادرت عملي مرغماً فتوقفت إمدادات الكستناء. حاولت كثيراً إقناع “الخواجة” ادمون بكتابة مذكراته عن علاقاته الوثيقة مع الملك حسين وغيره من الزعماء العرب والأجانب لكنني لم أنجح… 

اللقاءات مع الشيخ رفيق تتوالى كلما زار باريس وسمح له وقته بجلسة طويلة مع تقي بك. سرت الكهرباء بين الاثنين. الشيخ والبك فصارت متعتهما في الجلسات تزداد. الشيخ رفيق يسأل ويستفسر. حاضراً. ماضياً. مستقبلاً. يُجري التجارب على أفكاره مع البك. كأن الحديث تحضيراً لاتفاق ما بين اللبنانيين. تلهب نتائجه ومفرداته واتصالها بالماضي توازناً ومواد دستورية الجلسة وتجعل الشيخ رفيق يندفع في الشرح والتوثيق والإعجاب والاستسلام. لكل بند حكاية. ولكل حكاية أبطالها. بيروت. دمشق. الرياض. 

الاتصالات تنصبّ عليه في منزله الباريسي. يلتهمها الشيخ رفيق ويطلب المزيد. لا شيء يقف حائلاً دون متابعة أمر يريده او مسألة يريد الاستفسار عنها. 

كان واضحاً ان الشيخ رفيق يتمرّن على الصيغة اللبنانية. مرة يدخل اليها من باب اللهجة البعثية المواجهة لاستقلال لبنان. ثم ينتقل الى اللهجة المسيحية المنادية بالاستقلال الناجز والمعاداة لسوريا. فجأة تصبح الجلسة مليئة بمفردات الدولة العربية القادرة على استيعاب كل اللهجات والسياسات التي اسمها لبنان. 

كل هذا وتقي بك على ما لديه من ثوابت. لا يغيّر ولا يبدّل ولا حتى يتلعثم فيما يريد قوله من قناعات نشأت معه وكبُر بها قناعة. 

الخلاف مع سوريا حق. التآمر عليها جريمة لا تغتفر. 

للعرب دور تخلوا عنه وتركوا لبنان وحده يغرق في صراع المنطقة. 

اللبنانيون أفضل بكثير وأصدق في رغبتهم في السلام والحياة الواحدة من سياسييهم. 

لا اعتبار لما يقوله السياسيون والحزبيون قتلة كانوا او مقتولين. هذا يعبّر عن قهر المسيحيين مما يشعرون به من اضمحلال لسلطتهم أمام سلطة غريبة. ومما يرونه من تراجع في قدراتهم تجعلهم مدانين بلجوئهم الى العدو مستنجدين به أو مستجبرين.

المسيحيون استحقوا لبنان عن جدارة وعلم ومعرفة تفوقوا بها على غيرهم من اللبنانيين. هم انفسهم خسروا “لبنانهم” عن جدارة وجهل وقلة معرفة بكيفية إدارة مستقبلهم. لكن لا حياة للبنان بدونهم. هم المعنيون أولا بالاستقلال لأن غيرهم – أي المسلمين – أضعف تاريخياً تجاه ما يسمى بمشاريع الوحدة العربية. 

الديموقراطية مسؤولية المسلمين اذ ان تنوّع المجتمع اللبناني طائفياً يفرض عليه الاعتراف بالديموقراطية وسيلة وحيدة للحياة. وإلا لكان لبنان دولة مماثلة للدول العربية التي تفتخر بدكتاتوريتها العسكرية. 

لا عودة بلبنان الى دوره السويّ والسليم إلا بدور عربي يحفظ لسوريا أمنها ويعيد للبنان نموذجيته بين الدول العربية. 

ليس صدفة ان يختزن اللبنانيون معرفة وعلماً ولغات ومبادرة دون غيرهم من العرب. هذا كله نتاج صيغة فتحت أمام اللبنانيين أبواب الغرب وقدراته وعلمه ومعرفته وحداثته. 

يستمع الشيخ رفيق الى كل هذه العناوين من تقي بك ثم يسأله مازحاً: لماذا لا تعود الى بيروت وتقطع بسيارتك وحيداً كل الحواجز الطائفية وصولا الى بكركي حيث صورتك مع البطريرك تنعش الذاكرة اللبنانية بفضائلها بدل إمساكهم بسيئاتها. 

يضحك تقي بك ويجيب “أنا آتي الى باريس للتمتع بحرية الحديث مع نهاد. وهو ما لا نستطيعه كلانا في بيروت. تريدني ان اذهب الى بكركي وأبقى هناك”. 

ترتفع ضحكتنا جميعاً في جلسة كانت الأخيرة بيننا مجتمعين. 

يطرأ على الخانم طارئ في أعمالها في بيروت فتسافر على ان تعود في أقرب فرصة ممكنة. 

ينتقل كلانا الى ضيافة الشيخ رفيق في فندق جورج الخامس. تستمر الأيام على رتابتها الى ان يوقظني في وقت متأخر من الليل رنين هاتف من البك يستنجد بي. اركض الى جناحه لأطلب طبيب الفندق والإسعاف. البك مصاب بذبحة قلبية شديدة. 

لا أنسى حتى اليوم صورته وهو نائم على سرير الإسعاف محاطاً بمسعفين فرنسيين لا يعرفون كم في قلبه المأزوم قهراً على لبنان النموذج المقيم تحت طربوشه الأحمر منذ أن عرِف الدنيا.