نهاد المشنوق » النفي الرباعي 14 – حفر الجبل بإبرة اللقاء..

النفي الرباعي 14 – حفر الجبل بإبرة اللقاء..

النفي الرباعي 08 مايو 2006 0

 

لم يبدُ على الرئيس تقي الدين الصلح انه تلقى رسالة تهديد مبطنة وهو يفرفك يديه في غرفة الشتاء التي تتدفأ على مدفأة المازوت القديمة العهد. وقف الى جانبها مبتسما وكأنه حقق ما يريد تحقيقه منذ سنوات.

كان قد مضى على اللقاء الاسلامي اجتماعاً وتشاوراً وبيانات اسبوعية، مدة اربع سنوات وها قد اصبح التراكم السياسي وأسلوب حفر الجبل بإبرة خطراً على سياسات كبرى تقرر في بيروت ودمشق، وإلا فلمَ اعتبار التهديد الأمني له ضرورة لا بد منها. 

لم يعد في القاطع الغربي من المدينة مرجعية سياسية غير هذا اللقاء. يعود إليه “المدينيون” نسبة الى أهل المدن “والمدنيون” نسبة الى غير العسكر من البشر وهم الأكثرية الساحقة الصامتة. 

اعتبر تقي بك انه فعل ما عليه في أواخر عمره. أسس هيكلاً سياسياً بهدوء وبساطة ورصانة تمحورت حوله كل السياسات والاشخاص والهيئات المعنوية المعارضة لدور الميليشيات المسلحة في مدينتهم. 

لم يستطع الاتفاق الثلاثي الشهير المنعقد في دمشق منذ سنوات قليلة ان يتجاوز اللقاء الاسلامي برغم التطورات الكثيرة التي أحاطت بالقيادات المتبدلة شهريا للقوات اللبنانية حتى استتب الامر للدكتور سمير جعجع في ذلك الحين. 

لم يقدر رئيس الجمهورية الشيخ امين الجميل ان ينحاز الى رئيس حكومته المرحوم شفيق الوزان بعيداً عن رضى اللقاء وأعضائه. 

أحب تقي بك الرئيس الوزان دائماً، إذ كان رفيقه في جلسات لقيادات إسلامية معتدلة تعقد في مسشفى البربير. 

حفظ الرئيس الوزان لتقي بك هذه العاطفة وكان دائم الاقتراب منه والتشاور معه. لكن الرئيس الجميّل، بدورانه والتفافه حول المواضيع وسوء حظه السياسي، جعل الوزان ينحشر في زاوية الاختيار. فاختار الرجل الخطأ في الوقت غير المناسب ودفع لذلك ثمناً من تاريخه لا يستحقه ولا يليق بهذا المحامي القصير القامة المتحفظ في أناقته وكلامه القادم تدرجاً من عالم الأحياء الاسلامية الفقيرة في البسطة التحتا الى عالم الهيئات الاسلامية الصغيرة الى رئاسة الحكومة. 

للتاريخ ان يحكم لكنه بالتأكيد لن يظلم الرئيس الوزّان. 

لم يربح ايضا الشيخ رفيق الحريري الرهان على تغيير سياسة اللقاء الإسلامي. بقيت الزيارة الوحيدة التي قام بها الى اركان اللقاء مجتمعين في ذاكرته لسنوات طويلة، اذ اكتشف ان هذا الجمع من السياسيين على بساطة قدراتهم وبساطة حياتهم لا يتأثرون “دائما” بما اشتهر به ابو جمال عبد الحليم خدام من تهديدات عن بعد ومواجهة ولا تقبل منه العِمة ولا يرضى معه الطربوش بغير ما يقتنعان به من مسار يبعد الميليشيات عن الشارع وعن الحياة السياسية. 

تُرى هل يمكن وصف اللقاء الاسلامي بأنه إنقلاب سلمي فاجأ كل اصحاب القدرات العسكرية بموقعه في التأثير فلم يبتكروا له حلاً خلافاً للمعتاد من التهديد والوعيد بعظائم الامور وسوء المصير؟ 

ام انهم طائفة تقرر تمثيلها السياسي باستقدام “أسطورة” لبنانية ولدت في صيدا. عاشت ونجحت ونمت في السعودية اسمها رفيق الحريري. بدأت في دمشق وانتهى صاحبها شهيداً تحت العنوان السياسي نفسه للّقاء الاسلامي؟ فكانت نهاية الاعضاء المؤسسين للّقاء الواحد تلو الآخر؟ 

لم يأخذ تقي بك هذا الاعتبار في حسابه مرة. بل كان يقول ضاحكا سيعتبرنا الناس قليلي الوفاء لهم لو لم نعمل على تدرّج الشيخ رفيق في العمل السياسي من وزارة الانماء والاعمار الى رئاسة الوزراء. 

جلس تقي بك الى مقعده في غرفة الشتاء يفكّر في ما سيفعله بعد تلقّيه الرسالة الأمنية. 

السيدة فدوى “الخانم” في باريس في رحلتها السنوية وهو كان ينوي اللحاق بها لكنه الآن لا يستطيع. لماذا؟ 

اعتبر ان التعجّل في السفر قدر لا يحتمله من الخوف ولا يريد ان يعوّد نفسه على مثله في حياته. لم يكن باستطاعته اتخاذ أي تدابير أمنية معقولة لحركته اليومية. أحواله المادية معدومة والشارع في يد الميليشيات. 

جلست أنظر لهذا العقل الحكيم الكبير القادر على استنباط أحلى الافكار وأهمها وأكثرها تصالحاً مع وطنيته وأصدقها تعبيراً عن عروبته. كل هذا ويتعب في ترتيب ابسط امور الحياة السياسية الأمنية ولو على قلة فاعليتها. 

لا بد من عمر الزين مريده ورفيقه لسنوات طوال والمرجع الموثوق في احوال آل الصلح وأخبارهم. 

المحامي عمر الزين عروبي قديم. عندما تسمعه تعتقد انه تعلم العروبة وهو طفل صغير. يعرف الخريطة السياسية والشعبية لبيروت شوارعَ وحارات وأزقة واشخاصاً ونسباً وحسباً كأن المدينة هي منزله وسكانها من أهلها كلهم اقاربه. “أبو محمد” مفتون بالانتخابات يصحو على واحدة وينام على نتائج اخرى. تعب على ذاكرته في هذا الشأن لتجد عنده الجواب عن كل سؤال حول هذا الموضوع. خطيب بارع. محاماته متحركة دائما. يعرف كل القضاة والمحامين والمدّعين والمدّعى عليهم. حتى انه قد يحفظ وجوه زوار قصر العدل. لو أراد طباعة بطاقة شخصية له عليها عضويته في مؤسسات لبنانية وعربية حقوقية وخيرية وأهلية لاحتاج الى أوراق عدة لتتسع لأسماء الجمعيات التي <شرّفها> بعضويته او برئاسته. 

فوق كل ذلك هو المحامي المدير المقيم لدار الهندسة شاعر ومشاركوه، التي يملكها المهندس كمال الشاعر الاردني المعتمد لسياسة عدم الظهور حتى ولو اصبحت شركته من الاوائل في العالم في مجالها. قابلته مرة داخلا الى منزل تقي بك مع صديقهما المشترك محمد عطا الله الرئيس الاول لمجلس الانماء والاعمار الشهابي صاحب السمعة العطرة بسلاسته وعذوبة كلماته وسماحة وجهه ونزاهته التي جعلته دائما متقدما بين الكبار الكبار. رحمه الله. 

كعادته لم يتردد عمر الزين بتزويد البك بسيارتين من سيارات دار الهندسة وبشباب متحمسين لبيروتيتهم. فوضاهم مثل فوضى عمر. لذلك بدت الاجراءات الأمنية فولوكلورية. 

عندها قرر البك الذهاب الى الجنوب لتمضية ايام هناك في بستان يملكه ابن شقيقته بشير رمضان. استأذن المفتي خالد الذي دعا له بالطمأنينة والسكينة. بدا على وجه المفتي وهو يودعه على الباب انه اكثر تصميما على ما نوى عليه من سياسة لا يتراجع عنها. 

الى الجنوب حيث ظهر الهوى على تقي الدين الصلح. أشجاراً. طرقات. ذكريات. معارف. طفولة. صبا. شباباً. 

قبل ان نصل الى “أنصار” حيث منزل ابن شقيقته كان قد حكى مئة رواية ورواية عن الاحجار والاشجار والاقارب والاصدقاء والاطباق. 

لم استغرب فقد كنت قرأت تقديمه لكتاب جبل عامل لمؤلفه محمد جابر صفا وربما هو الاول او النادر من الكتب التي قدمها بقلمه. 

يقول: “تيسّر لي منذ بدء شبابي ان اكون قريبا من النهضة العاملية. استمتعت بمجالسهم وأحاديثهم وكتاباتهم وتحركاتهم وتعلمت منهم تعلم الطالب في المدرسة قبل ان اصبح صديقا معهم متعاونا معهم. 

هذا الجنوب الذي عرفته الحركة العربية مع إشعاعها الاول ساحة رئيسية من ساحاتها. من شقرا الى مرجعيون الى الخيام الى بنت جبيل الى صور الى جباع سلسلة من منائر العلم والأدب والجهاد”. 

أيام من الذكريات الدافئة رغم برودة الطقس في الجنوب. يحمل فيها تعبنا وتفاصيلنا “الوجيه الصيداوي” باسل الزين المتخصص في استنفاد شبوبيته الفائضة حيث لا يجوز استهلاكها. يتأنق في ثيابه ويذهب الى جبهات الحياة. يستعمل فيها كل شيء إلا معرفته فيبقى على وجاهته ويخسر ما تبقى. 

نعود من الجنوب الى بيروت سالمين.. ومن العاصمة الى باريس حيث الخانم بانتظارنا.. ورفيق الحريري أيضاً…