نهاد المشنوق » النفي الرباعي 13 – لا للاتفاق الثلاثي..

النفي الرباعي 13 – لا للاتفاق الثلاثي..

النفي الرباعي 01 مايو 2006 0

 

تدرج اللقاء الإسلامي صعودا وامتدادا في الانتشار حتى بات مصدر قلق للقيادة السورية التي افترضت بأن في أسطر البيانات معانيَ غير واضحة وملتبسة تثير الشكوك وتجعل الأجهزة الأمنية تسعى لمعرفة تفسيرها وللمناقشات التي أدت الى كتابتها. 

كنت لا أزال على جهلي بالقراءات الأمنية للبيانات السياسية. فأنا أعرف أن الاسطر تعني ما يعلن منها فقط لا غير ودون زيادة أو نقصان. أما المناقشات التي تحصل داخل اللقاء الاسبوعي وفي الاجتماعات التحضيرية له فهي تتناول شؤون البلاد والعباد في كل الاتجاهات وليس بالضرورة ان ما يرد قولا في الاجتماعات يصبح نصا في البيانات. 

بقي ثنائي طربوش تقي بك وعِمّة المفتي خالد على تضامنهما وصمودهما رغم كل الاشاعات التي كانت تملأ المدينة عن عدم الرضى السوري عن حركة اللقاء الإسلامي. 

عبّر عن ذلك صراحة حلفاء سوريا في ذلك الوقت ومنهم وليد بك الذي اعتبر اللقاء امتدادا لليمين المسيحي. 

لم تغيّر هذه الشائعات وحدة اللقاء ولا لغة بياناته. يأتي تقي بك في بداية الاسبوع الى دار الافتاء. يتشاور في العناوين الرئيسية مع المفتي. ثم يزور واحدا أو اثنين من الاعضاء في منزلهما، فيطمئن الى ان الصياغة حاضرة في أذهان الجميع. 

كان تقي الدين الصلح رحمه الله، من صلابة عروبته وصدقها مقتنعاً ًبأنه يملك حق الخلاف مع السياسة السورية في لبنان. وحين يعود الى التاريخ يجد ان حصته في دمشق أكبر بكثير مما يعتقد أي سوري أو لبناني. 

لكنه وضع خطا أحمر لحركته مع من يشاورهم: الخلاف مع سوريا لا يعني التآمر عليها أو القبول بآراء جهات معادية لها تحت أي ظرف من الظروف. 

اجتمع مرة تحت إلحاح من اصدقاء له بمسؤول عراقي كبير يزور بيروت سرا وينزل في فندق البستان في بيت مري. المسؤول العراقي يحدثه عن ضرورة التعاون مع الرئيس أمين الجميل آنذاك والبك يجيبه بأهمية العلاقات السورية اللبنانية والاساءات التي قام بها الرئيس الجميل تجاه هذه العلاقات. تدخلت في الحديث لأقول للمسؤول العراقي ان ما يسعى اليه اللقاء الاسلامي هو تصويب العلاقات بين البلدين أي سوريا ولبنان والتعاون مع الرئيس الجميل ليس واردا على جدول اعمال اللقاء طالما هو على سياسته العدائية مع دمشق. 

حاول المسؤول العراقي الذي كانت بلاده على حال شديد من التوتر مع سوريا العودة الى الحديث باللطف العراقي مرشحا تقي بك لرئاسة الحكومة فما كان من البك إلا أن وقف وأنهى الزيارة بداعي الوضع الأمني للطرقات. 

لم تكن معادلة الخلاف دون التآمر مقبولة أو حتى قابلة للنقاش في دمشق ومع حلفائها في لبنان. لكن هذا “الحكيم” الذي لم يعرف عنه العناد أو الحدّة في موقف لم يتراجع عن موقفه حتى اليوم الأخير من حياته. كان يحاول شرح موقفه بكثير من الكياسة والابتسامة واللياقة دون نجاح في إقناع القيادة السورية بأن تصحيح السياسة السورية في لبنان هو الذي يحميها وليس شراسة حلفائها اللبنانيين. 

بدأت مفاوضات الاتفاق الثلاثي في دمشق بعد تسلّم إيلي حبيقة قيادة القوات اللبنانية وموافقته على الحوار مع القيادة السياسية السورية. 

اشتدت الأزمة السياسية في لبنان، فإذا باللقاء الإسلامي يتبنى الرفض المسبق والقاطع “للاتفاق الثلاثي”باعتباره يمثل الميليشيات فقط من جهة وباعتبار أهل السنة غير ممثلين فيه من جهة أخرى. حاول الشيخ رفيق الحريري في ذلك الحين وباعتباره عضوا سريا في الاتفاق الثلاثي إقناع المفتي خالد بإمكانية تحقيق السلام عن طريق مثل هذا الاتفاق لكنه لم ينجح، بل أكثر من ذلك أسس النقاش حول الاتفاق الثلاثي خلافا استمر لسنوات بين المفتي خالد والشيخ رفيق. 

حين أسقط الدكتور سمير جعجع “الاتفاق الثلاثي” بدعم دولي فوجئت بتقي بك غاضبا ومحتدا. 

ما الحكاية؟ 

هو لا يريد “الاتفاق الثلاثي” ولا يريد أبداً هزيمة حادة لسوريا أو لسياستها في لبنان. كان يريد التغيير الهادئ في بلد تعصف به الحروب والميليشيات. 

اشتدت الأزمة وزاد الهمس عن الخوف والتحسّب بين أعضاء اللقاء الاسلامي. أول المنسحبين العلامة الدستوري حسن الرفاعي. السبب المعلن عدم قدرته على التعامل مع المفتي خالد. يقوم تقي بك بزيارته مرات ومرات في منزله لإقناعه بالعودة دون جدوى. 

كانت تربطني به علاقة مودة واحترام. حاولت معه ايضا دون نتيجة. كان يجيب بلهجته البعلبكية المحببة: أوافق على ما تقررون في اللقاء إنما من منزلي. لا أشارك. ويضيف مازحا: أبلغت أبو جمال عبد الحليم خدام انني أوافق على اختيارهم لرئاسة الجمهورية لو أبلغني الحاجز أمام منزلي بالاسم. لا ضرورة لأن يجهد نفسه باستدعائي الى دمشق. 

يسعى طلال المرعبي معه فيكرر رفضه. 

تعرض حسن الرفاعي لمحاولة اغتيال في بعلبك في العام 1982 حين كان مطلوبا تعطيل النصاب في جلسة انتخاب بشير الجميل لرئاسة الجمهورية. سلّمه الله منها بعد إصابته برصاصة في كتفه لا تزال واضحة آثارها على حركة يده حتى الآن. بدا من اعتكافه انه لا يريد تكرار التجربة وتبين انه على حق. 

علمت مصادفة ان الرئيس حافظ الأسد يلح على قراءة بيان اللقاء فور صدوره. كذلك السفارات العربية والاجنبية الكبرى في بيروت. تأكدت عندها وسط الضجيج من أهمية ثنائية الطربوش مع العِمّة. 

علّقت ميليشيا “أمل” أعلامها على واجهة وزوايا منزل تقي بك. جاءه كبير من كبار الميليشيات مع معاونه السياسي الى منزله وأبلغه بحضوري ان أمنه الشخصي بخطر وان عليه الحذر في تنقلاته وإذا أراد فهم مستعدون لتزويده بحراسات. 

انتهت الزيارة بالشكر وعاد البك الى غرفة الشتاء وهو يفرفك يديه كعادته ويقول وصلت الرسالة..