النفي الرباعي 1 – سجن العروبة…

النفي الرباعي 06 فبراير 2006 0

يقف أمامي سيدي.. 

الموضوع ليس عندي.. فخامة الرئيس. ولكنني سأبذل جهدي. 

حاضر فخامة الرئيس. لا تشغل بالك. 

يقفل الضابط السوري الخط. يتساءل مستغرباً كيف يحدثني على التلفون “الرباعي”. “لا زال رئيساً منتخباً ويتوسط لموقوف. بكّير عليه”. يكمل الضابط السوري كلامه مع نفسه. 

المكان: باحة مبنى غير مكتمل للمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي في عرمون. والأرجح أنه لم يكتمل حتى الآن. 

الزمان: 13 حزيران 1976. 

الواقف أمام الضابط والموقوف هو أنا. شاب في العشرين من عمره يكتب بالسكين مقالاته في مجلة “الدستور” التي يمتلكها علي بلّوط القريب من القيادة العراقية في ذلك الزمان. 

“أعِده إلى سجنه”. مشى معي العسكري إلى حيث كنت. لفت نظري ثلاثة أمور. الأمر الأول أنه ليس هناك من حدة في تصرف الضابط المسؤول عن الموقع. وهذا يطمئن نفسياً. الأمر الثاني ان الرئيس المنتخب في ذلك الزمان الياس سركيس يتوسط لإطلاقي. والسوريون يعتبرون الرئيس سركيس خيارهم الرئاسي فلا بد من أخذ رغبته في الاعتبار ولو في وقت لاحق. الأمر الثالث أنني لم أفهم ماذا يعني وصف الهاتف بالرباعي. إذ كانت المرة الأولى التي أسمع فيها هذه الكلمة. 

عدت الى مربّعي في الغرفة التي سجنت فيها. حاولت قدر الإمكان الحرص على “أناقة” يوم الأحد، المختلفة عن باقي أيام الاسبوع، إذ انه اليوم الوحيد الذي لا “تلبسني” فيه البدلة التي تجعلني أكبر من عمري بعشر سنوات. 

هي إضافة في العمر لم تتركني طيلة حياتي على كل حال. 

الوقت ليلا. الضوء خافت. أستمع الى حوارات “الرفاق” المعتقلين في الغرفة. يقترب مني أحدهم فإذا به محام بيروتي أحمر الشعر من الحزب القومي السوري الاجتماعي. آثار التعذيب واضحة على وجهه.

يحاول منذ يومين أن يقنع الضابط المسؤول عن المعسكر أنه من الفرع المؤيد لسوريا في الحزب. وهم يعاملونه على أنه انضم بعد انشقاق قيادة الحزب الى الجهة المؤيدة لحركة “فتح” التي بدأت في ذلك الحين تضع يدها على الحياة السياسية اللبنانية في المناطق التي تسيطر عليها من الجنوب اللبناني الى الشق الغربي من العاصمة. 

لا أعرف لماذا كان متأكداً بأنه سيفرج عنّي قريباً. فبدأ بإعطائي عناوين أهله لإبلاغهم بمكانه وللاتصال بقيادته الحزبية للعمل على الافراج عنه. وعدته خيراً. أسند رأسي الى الحائط. أسأل نفسي متى سيأتي دوري في التحقيق. أحاول النوم فلا أستطيع إليه وصولا. تزدحم الاسئلة مع التحليلات في ذهني. 

صحيح أنني أكتب بحد السكين في “الدستور” صحيح أنني قريب من قيادة حركة ” فتح”. إنما كصحافي لا علاقة لي تنظيمية بهم. أعود الى الانفعال مرة أخرى. أؤكد “البديهيات البدائية”. ماذا يريدون مني؟ أنا أكتب رأيي وهم في الطريق الى الخروج من لبنان. كانت القوات الفلسطينية قد أخرجت الجيش السوري وحلفاءه الفلسطينيين من بيروت الى خلدة في السادس من حزيران. أي قبل أسبوع من اعتقالي. 

الخروج من لبنان؟ هكذا كنت أعتقد أو على الأصح هكذا كنت أريد. ومنعاً “للاختلاط الطائفي” مع آخرين من اللبنانيين اعتمدت السياسة الفلسطينية وسيلة للوصول الى هذه النتيجة. 

ولكن ما الذي أتى بي الى هنا؟ هم لم يأتوا إليّ. أنا ذهبت إليهم. لماذا؟ 

بكل بساطة وصدق، السبب الذي أخذني الى “حاجز خلدة”كما كان يسمى. عيناها. يخبو الزمرد أمام اخضرارهما. تخجل الأناقة من طلتها. تترجم مشاعرها بطريقة لا يستطيع ابن العشرين معها إلا انغماساً. فكيف إذا كان الشاب يرى الدنيا صغيرة على عينيه. يصل الليل بالنهار. يقاتل في السياسة وكأنه المسؤول وحده عن تحرير العالم. يعتقد أن شوارع دمشق وبغداد والقاهرة وآخر حارة في العالم العربي ملك يمينه ومرتع عقله. يحقق أوهامه صباحاً، ليخلق أوهاماً جديدة في المساء. 

يدير معركته من فندق بيروتي حيث يعيش صباه. يسمع طلقات الرصاص من بعيد أو قريب فيعتبر أنها كلها انتصار له. يأتي الشاعر محمود درويش الى الحي فنترافق الى البار الملاصق للفندق. فإذا بقذيفة تقع على بعد ثلاثة أمتار منا. نختبئ للحظات في الهواء الطلق إذا ليس هناك مكان نختبئ فيه. نتابع طريقنا نحو البار لإكمال ما نوينا عليه. ديوان الحي يعقد في منزل الممثل. الشاعر. الكاتب. الأديب. المفكر. الصديق. الحقيقة ان رضا كبريت تكفيه الصفة الأخيرة. إذ أنها الباب المفتوح على الناس. في ديوانه تجتمع السياسة بالأمن بالجمال. ملكة جمال الكون تأتي الى الديوان. الشباب ينتظرون وصولها تتهادى. لو جعلهم ذلك يصلون الليل بالنهار. الأهم ان الفرن يعلو ديوان رضا والخبز الساخن بلهبه حاضر دائما على طاولة الطعام التي لا تفرغ حتى تعود لتمتلئ من جديد. كأنهم فريق محبة. رضا وزوجته دنانير وأولادهما يتبادلون طابة الضيافة بتنسيق عفوي ودقيق في الوقت نفسه. 

أعود الى عيني خاطفتي. هي أكبر مني سناً بسنوات قليلة. التقيتها على موج البحر. حيث تضاريس “كونها” واضحة. كنا رفاقي وأنا ننتظر نزولها على الدرج نحو الماء. يذهب بنا الخيال ان على كل درجة ساحرة جمال تسلّم نفسها لساحرة اخرى على الدرجة الاخرى. حين يضمها البحر ترتفع تعليقات الرفاق لتضج بشهقات العشرينات من العمر. 

كانت تكره الفلسطينيين وتعرف بالتواتر أنني من مؤيديهم. رأيتها تتحدث مع صديقة أعرفها. اقتربت منهما، إذا بها تبدأ الحديث عن الاحتلال الفلسطيني للبلد. كانت أجرأ مني في إعلان فتح الحوار الذي لن ينتهي. يحدث ذلك دائما إذ أنني أوفر “جرأتي” للقضايا الكبرى تاركاً لحياتي أن يقررها غيري. 

أخذت على عاتقي مهمة إقناع “كونها” بالقضية الفلسطينية. أمرّ كل ليلة لأخذها الى العشاء من منزلها الذي يفصل بينه وبين البحر مرج أخضر يشع من عينيها. تنزل وكأنها ذاهبة الى السهرة في موناكو. تحمل شمعة مضاءة في يدها تحميها من التعثر على درج منزلها في المدينة المعتمة. تطفئها بعد أن تتأكد من أنني رأيت أجمل ما فيها نزولا من العينين الى الكتفين المتسعين لنبض قلب العشرين من العمر الى. الى. الى الحذاء الذي اختارته خصيصا لكي لا يخفي شيئا من قدميها. 

الدنيا صيف. لمَ حبس الجمال. وضعت مسدساً في السيارة احتياطاً! يبدأ الحديث ولا ينتهي إلا حيث ننتهي كلانا.. هي تصر على معارضة الاحتلال الفلسطيني وأنا مشغول باحتلالي لها. 

فشلت في معالجة الاحتلال الفلسطيني. نجحت في تحولي الى قوة احتلال لشخصها. قلت في نفسي خير ذا بشرّ ذا وإذا الله قد عفا. 

لكنه لم يعفُ كليا. اشتهت أن تتغدى يوم الأحد في مطعم جبلي هرباً من حر بيروت. أنا أعلم أنني صحافي شاب معارض للسياسة السورية في لبنان لكنني لم أعتقد أن “عقلهم صغير” الى حد الاهتمام “لمتهور” مثلي. 

دعوت الزميلين الياس منصور وعقيلته هدى لمرافقتنا الى الغداء. الياس هادئ لا يعرف إلا أوراق عمله والتأكد من وضع نظاراته على عينيه. هدى تعوض عنه وعن مدينة بكاملها من حيث القدرة على الفوضى والضجة والحضور رغم صغر حجمها وكبر حجم زوجها. 

وصلنا الى حاجز خلدة. طلب الجندي هوياتنا. عناصر المخابرات الواقفة أخذت الهويات. أحدهم دقق في هويتي. طلب مني أن أركن سيارتي جانباً واختفى. عاد بعد دقائق ليسألني هل أنت نهاد المشنوق الصحافي. أجبته بالإيجاب. قال إنزل من السيارة وتعال معي. ظهرت آثار الصدمة على وجهي. تسارعت الافكار في رأسي والاسئلة كذلك. ماذا سيحصل. ما حجم قراءتهم لما أكتب. أنا معارض ولست معادياً. لم تنفعني أسئلتي. مشيت معه. بدأت صاحبة العينين الخضراوين بشتم جنود الحاجز وأصرت على أنها سترافقني حيث يأخذونني. 

تدخلت هدى المر منصور لتهدئتها فازدادت شتائمها. المضحك أنها خلطت الانكليزية بالفرنسية بالعربية، فلم يستوعب الجنود ما قالته تماما. 

أعادني العنصر الأمني الى سيارتي وطلب مني أن أقودها نحو تلال عرمون. 

هدى أقنعت”مشتهية” الغداء في الجبل والياس بركوب أول سيارة الى بيروت حيث يمكن الاتصال بمن يستطيع المساعدة في هذه المشكلة. 

وصلت برفقة العنصر الأمني الى المبنى المهجور لقوى الأمن الداخلي. نزلت من السيارة. اقتادني العنصر المرافق الى الضابط المسؤول عنه، فإذا به يناقشني بكل كلمات المقالات التي كتبتها. فوجئت بهدوئه ودقته. حاولت مناقشته في موقفي. للصدفة ان العدد الاخير من المجلة صدر في نفس اليوم وهو يحمله بين يديه. وأنا كاتب موضوع الغلاف الذي اعتبره الضابط يمس بالجيش السوري. عدت الى المحاولة. لم أنجح في شرح قوميتي العربية التي لا تنال الجيش السوري، قال للعنصر المرافق خذه لعند فلان. 

أعترف للمرة الاولى بأنني شعرت بأنني ذاهب الى لا عودة. بدأت أتمتم بآيات قرآنية. أتذكر صور أهلي.