المشنوق: بات الاعتدال هو الافضل ان لم يكن خيارنا الوحيد

كلمات 04 يونيو 2017 0

مساء الخير ورمضان كريم،
لا قدرة لي على السيرة الذاتية التي وردت على لسان عريف الحفل في السيد فؤاد مخزومي، ولا على سيرتي الذاتية أيضاً، التي أعطاني فيها عريف الحفل أكثر مما أستأهل بكثير.
ما أحسنتُ القيام به هو ما تعلّمتُهُ من الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وما أخطأتُ به هو ما تعلّمتُهُ من نفسي.
تكريمٌ لي أن أتحدث بعد عميد الخير في لبنان، الذي ما إن سمعت العريف يذكر صفاته، حتّى عرفت أنّه محمد بركات، الذي استطاع أن يقنع المتبرّعين، طيلة عمله لعشرات السنوات في الخير الإسلامي، استطاع أن يقنعهم أنّه يخدمهم عند الله وفي مجتمعهم حين يقبل منهم تبرعاتهم لدار الأيتام.
ورد على لسان من تحدثوا قبلي أسئلة وتساؤلات أودّ الإجابة عنها.
أولاً، قانون الانتخابات ستعقد خلال الأسبوع المقبل جلسة لمجلس الوزراء لإتمام إقراره. وهو القانون الذي يحتاج إلى ستة أشهر على الأقل لتنفيذ احتياجاته التقنية والإدارية، كونه يعتمد للمرّة الأولى في لبنان على قاعدة النسبية.
ما أستطيع قوله عن القانون إنّه قانون عاقل ويتسم بالواقعية الشديدة، لكنه ليس عادلاً. فالعدل في الدول المركبة مثل لبنان لا يمكن تحقيقه. وفائض الأوهام المسمّى فائض قوّة والمتنقّل بين طائفة وأخرى، يجعل العدل أصعب في الدنيا ويُترك لله في الآخرة تحقيقه.
الحمد لله أنّ فائض القوّة، رغم ما يسبّبه من أوهام، ينتهي على طاولة المفاوضات إلى اعتراف أصحاب الأوهام بأنّ شرط نجاحهم هو قبول الآخر، وإلا يكون صاحب الوهم يحدّث نفسه فيعيد الصدى كلامه إليه.
النقطة الثانية التي أودّ التحدث عنها هي وصفي بالواقعي والاعتدال. نعم الاعتدال والواقعية السياسية أكثر من ضرورة. قبل الوزراة لم أكن كثير الاعتدال ولا متمسّكاً بالواقعية. لكن بعد ما نراه حولنا من حرائق أقربها الحريق السوري، بات الاعتدال هو الأفضل إن لم يكن خيارنا الوحيد.
كلّنا نعرف الثمن السياسي للاعتدال وأوّلنا الرئيس سعد الحريري. ونعرف أنّها سياسة غير شعبية بالمعنى الفوضوي، ولا تؤدّي إلى تصفيق الجماهير وقوفاَ. لكنّها مسؤولية الحفاظ على الدولة التي يعرفها أوّلا وقبل أيّ أحد آخر ابن مدينة عريقة مثل بيروت.
هذه السياسة المعتدلة القائمة على تسويات عاقلة وهادئة ومسؤولة، وإن لم تكن عادلة بالمطلق من وجهة نظرنا. فبهذه السياسة نحفظ أنفسنا وبيئتنا وأهلنا وحتّى مراكزنا المسؤولة، إلى أن تنجلي الصورة في المنطقة ونحدّد فعلا ما نستحقّه في نظامنا السياسي.
الخيار الآخر هو الحرب الأهلية، وهو الأبسط. نقلب الصفحة فوراً ونبدأ بقول كبائر الكلام، شتماً وحدّةً وانفعالاً. حينها ندخل في أتون النار الذي نعرف متى دخلناه ولا نعرف كيف نخرج منه.
ربما في الشكل هناك شكاوى تتناولنا وبعضها صحيح. المسايرة لفلان أو علتان كلامياً لا معنى جديّاً لها. المهمّ هو المضمون. من ينتقد أو يشكو عليه أن يدلّنا أين وضعنا توقيعنا على تنازل عن الثوابت. أكرّر: نحن نؤسّس لتسوية عاقلة ونعمل بهدوء بانتظار التسوية في المنطقة، وحين يأتي يوم الحساب سننتصر بالاعتدال الذي يملأ عقول هذه النخبة الخيّرة من أهل بيروت.
علينا ألا ننفعل ونحن نرى القصف الروسي على منطقة تبعد مسافة نصف ساعة بالسيارة عن منطقة أخرى يقصفها الطيران الأميركي. أمام هذا المشهد ليس لنا غير الاعتدال سياسةً دون أن نتنازل عن الثوابت.
أخيراً، سمعت من أحد المتحدّثين شكوى من تقلّص الوجود البيروتي في الإدارات العامة. وهو كلام مصيبٌ، لأنّ معظم الجيل الشاب من البيارتة لا يملك الخبرة الكافية لوسائل الدخول إلى الإدارة العامة. وهذا الأمر يحتاج إلى خبرة خاصة وجهد مختلف عن نيل الشهادة الجامعية. لا بدّ لهؤلاء الشباب أن يخضعوا لفترة تدريب دراسية تؤهّلهم للدخول إلى الإدارة، وهو ما عمل عليه تيار المستقبل جاهداً حتّى الماضي القريب، وجزء ولو يسير من مؤسسات أخرى مثل مؤسسة المخزومي. ويجب استعادة هذه الدورات من جميع المعنيين وأوّلهم تيار المستقبل، وهو ما نسعى إلى تحقيقه خلال فترة وجيزة.
على الطامحين أيضاً أن يدقّوا الأبواب وأن يخلعوها عند الضرورة متسلّحين بدوراتهم، وأوّلها بابي المفتوح، وباب بيت الوسط الذي تعرفونه جيداّ.
مثلما قلت سابقاً فإنّ 125 شاباً وفتاةً نجحوا في امتحانات مجلس الخدمة المدنية للفئة الثالثة خلال الأشهر الأخيرة، منهم اثنان فقط من بيروت.
مثالٌ آخرٌ على عدم الدقّة في الشكوى: هناك اثنان عيّنا في مراكز عليا مسؤولة من البيارتة، أوّلهم من آل كريدية عيّن رئيسا لهيئة أوجيرو، والثاني من آل مخللاتي عيّن نائباً لمدير المخابرات في الجيش اللبناني. وهذان من أصل خمسة من المسلمين الذين عيّنوا خلال عهد هذه الحكومة. لم نسمع لا تهليلاً ولا شاهدنا فرحاً ولا علّق البيارتة لافتة تهنئة.
هناك عدد آخر من حملة الشهادات من البيارتة تعرّفت إلى كفاءاتهم خلال استقبالاتي المفتوحة، وسعيتُ، وغيري ممّن سعى، إلى فتح باب توظيفهم في الإدارة العامة والقطاع الخاصّ.
هذا كلّه من الماضي، أما الآتي فهو بناء 3 مدارس رسمية في بيروت يعمل الرئيس الحريري شخصياً عليها، وعلى غيرها من مشاريع الإعمار الموجودة في أدراج الإدارة. وهناك دورة مقبلة، خلال أشهر، لقوى الأمن الداخلي نأمل أن يكون فيها حصّة وازنة لبيروت. والأهم أن باب التوظيف في الإدارات العامة كشف عن وجود ألف طلب من البيارتة معظمهم من الشباب والأقلّ من الفتيات. وهي داتا مهمّة سنعمل على تبويبها بحسب الخبرة والشهادة وصولاً إلى تأمين فرص عمل لنصفهم على الأقلّ خلال هذه السنة والباقي خلال السنة المقبلة. وأتمنّى ألا يأخذ أحد على صراحتي.
نحن في حضور جمعية عريقة هي جمعية متخرّجي جمعية المقاصد التي جمعت كلّ هذه الوجوه الخيّرة، بحداثتها ورقيّها، ضمن إفطار كرّمت خلاله خمسة من المتفوّقين البيارتة في أعمالهم. سيرة كلّ واحد منهم هي عنوان النجاح لهم ولمدينتهم وهم قدوة لغيرهم. هم الحريصون على مدينتهم وبيروتيتهم وعنوان نجاحها الدائم والمستمرّ.
أذكرُ أنّه جاء صحافي من مصر أمّ الدنيا إلى بيروت في زيارة لمدّة أسبوعين، ليكتب عند عودته أنّ مصر أمّ الدنيا لكنّ بيروت هي ستّ الدنيا. هذا بعد زيارة لأسبوعين، فكيف لو عاش فيها؟
عاشت بيروت،
عاشت المقاصد وخرّيجوها.
عاش لبنان.