نهاد المشنوق » إمبراطورية تستعيد “إقليمها” بهدوء.. ( 2\2 )

إمبراطورية تستعيد “إقليمها” بهدوء.. ( 2\2 )

مقالات 23 مارس 2009 0

في نهاية الحلقة الأولى عن السياسة التركية الجديدة بقيادة حزب العدالة والتنمية، تساءلت عن قدرة هذه القيادة في العودة الى “العثمانية” بما هي عقل امبراطوري إسلامي، بعد أقل بقليل من مئة سنة من العلمنة الحازمة والمنضبطة مع مؤسس تركيا الحديث مصطفى كمال أتاتورك الذي لمّ شمل الأرض التركية، ففرض على الشعب حرفاً لاتينياً للكتابة وشكلاً غربياً في الثياب، منهياً في رأيه خمسمئة سنة من تركة امبراطورية سقطت في الحرب العالمية الأولى.
وجدت الجواب في اسطمبول عاصمة السلطنة السابقة والمدينة الاقتصادية الأولى في تركيا الحديثة.
من يعرف هذه المدينة منذ سنوات بعدما عاد اليها بهاؤها، يشعر من دون جدل بأن السياسة “العثمانية” بما هي “مفهوم متفوّق” سياسيا واقتصاديا على المحيط، ما زالت فيها الروح رغم النصوص القانونية العلمانية التي تمنع قطعيا التشجيع على ما هو غير العلمنة في النص الرسمي. ولكن أنّى لك أن تتجاوز العمارة الامبراطورية والأعراف والتقاليد الراسخة جذورها في عموم الأتراك. وكيف لك أن تتجاهل أن ما بقي من فنون وآداب ذلك العصر تفيض به المدينة تجارة وثقافة وموسيقى ولائحة غنى في أشكال الطعام لا تجارى إلا في دول ورثت امبراطوريات أو بقيت فيها، مثل ايطاليا أو المغرب الناتج بكل ما فيه من عراقة الأندلس وبعد هجرة النخبة الأندلسية في كل الميادين العلمية والثقافية والفنية.
يطول الحديث عن رمزية اسطمبول لكن ليس هذا مجاله. بل أتحدث عن المدينة كتعبير عن حالة “يقظة سياسية” وعمق في إعادة استكشاف القدرة التركية على إعادة نشر نموذجها أو دورها بدلاً من إرسال جيوشها كما كانت في غابر الزمان.
النموذج هو الديموقراطية التي استطاع بواسطتها حزب العدالة والتنمية، القادم من أوساط الطبقة الوسطى والفقراء، أن يحقق فوزاً قياسياً مرتين في الانتخابات الأولى في العام 2003 والثانية في العام 2007 حين دعا رجب طيب أردوغان الى انتخابات مبكرة لدعم خيار حزبه في انتخاب وزير خارجيته آنذاك عبد الله غول رئيساً للجمهورية، وذلك في وجه عتاة من النخبة التقليدية المدعومة من الجيش والمنتشرة تاريخياً في مفاصل الدولة العليا.
أما عن الرغبة في الدور وانتشاره، فكيف يمكن لتركي شاب أو لمتوسط في العمر متدّين أن يتجنّب “النشوة” في عز غابر يراه كل يوم في شوارع اسطمبول التي يسكنها في النهار أكثر من 15 مليون تركي. هذا دون الحديث عن المعنى “الإسلامي” لهذه الحركة السياسية.
إذا كان هناك من إنصاف في أسطر التاريخ ، فالحقيقة أن التطور في المجالات العمرانية والاقتصادية، من ثبات لسعر العملة التركية بعد تقلبات أوصلتها الى حجم الأصفار الستة لكل وحدة نقدية، وتضاعف حجم الإنتاج والتصدير الى الخارج. كل هذا حصل في عهد تورغوت أوزال رئيس الحكومة الاستثنائي في العام 83 ورئيس الجمهورية في العام 89 الذي تسلم الحكم لمدة 15 سنة، أسس وحقق خلالها الكثير من الإنجازات الملتصقة الآن بصورة قيادة حزب العدالة والتنمية.
يقول هاينتس كرامر المؤلف الالماني لكتاب “تركيا المتغيرة تبحث عن دور جديد” إن ” تورغوت اوزال” وشقيقه قورقوت زعيم الحزب الديموقراطي الصغير كانا لشخصيهما ينتسبان الى الطريقة الصوفية النقشبندية. وقد كان نجاح حزب الوطن الأم بزعامة اوزال في الثمانينيات معتمدا الى حد كبير على دعم وتأييد هذه الطريقة الصوفية. وينطبق القول نفسه على حزب الخلاص القومي الذي يقال انه من أفكار الشيخ الراحل للطريقة ميمت زايد قوقتو. وكذلك خلفه حزب الرفاه وكلاهما كان بزعامة نجم الدين أربكان. لم يكن صعود الرفاه إلا نتاج إعادة توجيه السياسة النقشبندية على الصعيد السياسي بعد تخلي أوزال عن رئاسة حزب الوطن الأم اثر انتخابه رئيساً للجمهورية في العام 1989. فالرئيسان اللذان توليا الحزب من بعده كانا أكثر ميلاً الى العلمانية وحاولا إضعاف الجناح الإسلامي في الحزب الذي أسسه “أوزال”.
يضيف كرامر الذي أشرف على كتابه ريتشارد هاس رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأميركي الحالي والكاتب الأميركي الأكثر ليبرالية، أن تشجيع الإسلام السياسي مع أربكان لاحقاً أثبت انه أسلوب فعّال على صعيد الحد من توجه الإسلام التركي نحو التطرف السياسي. فقد كانت كل الأحزاب اليمينية والوسط وقيادات الجيش تعتبر الجرعة الدينية لقاحاً فعالاً ضد النزعة اليسارية. لكن “مع أربكان لم تعد الحركة الإسلامية مقتصرة على توفير منظومة قيم صالحة لتنظيم وتوجيه الحياة الشخصية والاجتماعية لقطاعات واسعة من الناس، بل أصبحت أيضاً أيديولوجية صالحة للحكم”
إذاً أوزال المستدير الجسم على قصر قامته هو الذي وضع حجر الأساس لكل مراحل التنمية التي شهدتها تركيا منذ أكثر من عشرين عاماً قبل أن توافيه المنية فجأة وهو في الستينيات من عمره.
لم يفعل أوزال ما خطط له في الداخل فقط من استقرار اقتصادي ونهضة صناعية، بل أتيح له بقرار منه طبعاً أن يكون الشريك الرئيسي لجيوش التحالف الغربي بقيادة أميركا في حرب الخليج الأولى التي حررت الكويت. شاركت تركيا في الحرب بجيشها ومطاراتها ومرافئها التي سهّلت طلعات سلاح الجو الأميركي من قاعدة انجيرليك التركية وسمحت بوصول الإمدادات اللازمة في مواعيدها الى حيث تنتشر جيوش التحالف الغربي في العام 1990.
كانت تلك هي المرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية التي تكتشف فيها الإدارة الأميركية مدى حاجتها الى الموقع التركي في الشرق الأوسط، خاصة انه من الصعب ، إن لم نقل من المستحيل “عملياً”، افتراض إمكانية التعاون العربي في ظرف مثل حرب الخليج أو غيرها مع الحليف الآخر للولايات المتحدة الأميركية في المنطقة أي إسرائيل.
أسس أوزال في ذلك الوقت لانتعاش سياسي في الحاجة الغربية الى الدور التركي. وقد سبق لمقال في الصفحة نفسها أن حكى رواية “التواطؤ” بين السفير السعودي آنذاك في تركيا وزير الإعلام الحالي الدكتور عبد العزيز خوجة ورئيس الجمهورية التركي الراحل أوزال في تعطيل انعقاد جلسة مجلس النواب التركي، منعاً للمعارضة من التصويت بالرفض على قرار الحكومة التركية بالمشاركة في حرب الخليج الى جانب التحالف الغربي.
يصف المؤلف الألماني كراكر تلك المرحلة في كتابه بأنها “أنتجت مفهوماً يربط الإسلام المعتدل بالقومية التركية. إذ كان الهدف لهذا المفهوم يتمثل في إيجاد هوية إسلامية غير قابلة للالتباس، مصحوبة بكل الشخصية المتوافرة في الديموقراطية الغربية مع جرعة قوية من الكبرياء والقومية التركيتين المضافتين تحقيقاً لمتانة التضامن حول النظرية”
حققت هذه النظرية خروجاً تدريجياً للجيش من التحكم التقليدي بالدولة والمجتمع في ظل اقتصاد حر وسياسة خارجية منفتحة على المجتمع الدولي.
لم يقدّر الغرب فقط لأوزال ولبلاده الدور الذي لعبه في ذلك الحين، بل يفعل الأتراك ذلك مرة في السنة في ذكرى وفاته فيظهرون له الكثير من الود والتقدير للتطور الذي حققه لبلادهم في سنوات قليلة.
***
المفارقة ليست في أن قيادة حزب العدالة والتنمية الحاكمة حالياً من ثمار تلك المرحلة بالطبع، بل أيضاً ان المنظّر الرئيسي للسياسة الخارجية الحديثة يأتي من قرية “كونيا” حيث مدفن الشيخ الأول للصوفية في العالم جلال الدين الرومي الذي يحج إليه الناس سنوياً بمئات الآلاف. الدكتور أحمد داوود أوغلو المنظر الشاب للحزب الحاكم والأستاذ الجامعي السابق الذي يناديه رئيسا الجمهورية والحكومة بلقب “البروفسور”، هو الذي درس التجربة السابقة ووضع أسساً لمرحلة الانتشار التركي الحديث في محيطه الطبيعي في المشرق العربي، وذلك في كتاب له صدر في العام 2001 بعنوان “عمق الاستراتيجية”.
يمكن تحديد تلك المعالم في ست ركائز:
أولاً: تعزيز الحريات في الداخل، والمواجهة الحازمة للأخطار الأمنية التي تهدد البلاد بما يؤمن استقرار الجبهة الداخلية.
ثانياً: إنهاء المشكلات بمعنى تصفيتها الى درجة الصفر، بما ينزع فتيل التوتر في كل المناطق المحيطة بتركيا.
ثالثاً: إخراج تركيا من دائرة المحاور والاستقطابات بحيث تنأى بنفسها عن أن تكون طرفا، الأمر الذي يمكنها من أن تلعب دور الحكم أي الوسيط، إذ ان احتفاظها بمسافة واحدة إزاء مختلف الأطراف، يحولها الى “مركز” قادر على أن يدير علاقاته مع الجميع من دون أن يحسب على طرف ضد آخر (هذا ما حدث إبان الأزمة بين روسيا وجورجيا(.
رابعا : تنشيط دور تركيا في مسار العلاقات بين الشرق والغرب كقوة فاعلة ومبادرة لا كجسر بين الطرفين.
خامسا: انتهاج دبلوماسية نشيطة ذات نفس طويل، تتمثل في الالتقاء مع أكبر عدد من المسؤولين الدوليين على مختلف المستويات، مع تفعيل حضور تركيا في مختلف المؤسسات والتنظيمات الدولية بما يتجاوز عضوية حلف الأطلسي.
سادسا : الاهتمام بالعمق الجغرافي والتاريخي لتركيا المتمثل في الدائرتين العربية والإسلامية. وفي هذا الصدد ذكر الدكتور أوغلو أن المواطن التركي في قرية غازي تاب السورية الحدودية مثلا يجد نفسه أقرب الى الفرد السوري في حلب منه الى مواطنه التركي في اسطمبول. واعتبر ذلك نموذجا للكثير من المشتركات الوجدانية واللغوية بين الأتراك وجيرانهم التي يتعين استثمارها لتحقيق المصالح المشتركة.
لقد أدرك العقل السياسي المحدّث “للعثمانية” أن تركيا لا تستطيع أن تلعب دور “المركز” ما دامت هناك مشكلة وطنية تؤرقها، مثل دعوة حزب العمال الكردي الى انفصال الأكراد تشجيعاً لهم على إقامة دولة مستقلة. فالأكراد في تركيا يمثلون ثلث السكان وينتشرون في مناطق غنية بمياهها وزراعتها. وثمة إجماع تركي على ان بلادهم يمكن أن تخوض حرباً تستمر مئة عام للحفاظ على وحدة بلادهم.
من ناحية ثانية، فإن العقل نفسه أدرك أن بلاده لا تستطيع أن تقوم بدورها وهي محاطة بطوق من الجيران الأعداء الذين كانوا حتى سنوات عشر مضت في اشتباك مع الجار التركي مثل سوريا وإيران واليونان وبلغاريا، وبالطبع أرمينيا التي تتهم العثمانيين بمحاولة إبادة الارمن.
ماذا فعلت تركيا في سبيل التغيير؟
يقول “البروفسور” أوغلو المعروف بصراحته من دون أن يتوارى خلف صفته الدبلوماسية، في دراسة كتبها في عدد كانون الأول من العام 97 لمجلة الدراسات الدولية عن “الصراع بين المصالح: شرح للفوضى الدولية”. يقول في هذه الدراسة إن ” الحرب الباردة التي حققت استقراراً في العالم وأحاطت بالأزمات دائماً في بداياتها وحالت دون انفجارها، استبدلت بعد انهيار الاتحاد السوفياتي باستراتيجية “حصرية” أميركية تستخدم مبادئ الأمم المتحدة لتنفيذ سياستها. كانت التجربة الأولى لسياسة إعادة تثبيت الوضع الجغرافي والسياسي القائم في حرب الخليج في العام 90. لكن هذه السياسة نفسها فشلت في البوسنة حين لم تستطع الأمم المتحدة أن تحمي الحقوق الوطنية لدولة عضو في جمعيتها العامة. وأدى الصراع الأميركي ـ الأوروبي وتفاوت المفاهيم الأوروبية حول هذه القضية الى نهاية الشعار غير الناضج للنظام الدولي الجديد”
ويضيف أوغلو الذي يتحدث بالانكليزية والالمانية ويقرأ العربية “إن الرغبة الاميركية بحقها الحصري في القرار الدولي لا تعني بالضرورة القدرة على ضبط الاقتصاد السياسي الذي يحدد الأرباح والحصص في المنافسة مع قوى الأنظمة الاخرى، إذ ان كلفة الوجود الأميركي في الواجهة لم تحقق حصة اقتصادية للسياسة الأميركية مقارنة بأوروبا واليابان. وهو ما أوصل الادارة الاميركية الى لعب دور البوليس في النظام الدولي الجديد.
اعتبر أوغلو منذ عشر سنوات أن العالم يعيش في مرحلة انتقالية بين الاستقرار الاستراتيجي الأحادي وبين ميزان قوى متعددة ناشئة في هيكلة دورها.
كتب أوغلو هذه النظرية قبل قدوم القوات الاميركية الى العراق في العام 2005 معتمداً على نظرية السياسي التاريخي بسمارك بأن الجغرافيا هي الحقيقة الدائمة في السياسة الخارجية.
وضع أوغلو نظريته القديمة ـ الجديدة موضع التطبيق مع وصول حزب العدالة والتنمية الى الحكم.
بدأ في سوريا المهددة بعزل دولي في نهاية العام 2003 بعد رفضها للسياسة الأميركية في المنطقة. تولت القيادة التركية الجديدة المفاوضات غير المباشرة بين اسرائيل وسوريا لسنوات بإشراف أوغلو شخصيا دون موافقة مسبقة من الإدارة الاميركية، ودون اهتمام ايضا بالحصول على موافقة لاحقة.
صحيح أن المفاوضات التي استمرت حتى أشهر قليلة خلت لم تتجاوز “الجانب التقني” على حد قول قريبين من أوغلو. لكن هذه التجربة خلقت ثقة في العلاقات السورية ـ التركية تتجاوز بكثير تاريخ العلاقات المرتبك بين البلدين. والدليل على ذلك ما نقله الرئيس السابق للوفد الاسرائيلي الى المفاوضات عن ان الجانب السوري على استعداد لإعطاء اسرائيل حقوق مياه الجولان مقابل فكرة الرئيس التركي الراحل أوزال التي تضمن لسوريا ما تحتاجه من مياه في أنابيب تمتد بين البلدين.
الخطوة الثانية كانت في اتجاه العراق حين كانت الإدارة الأميركية تسعى لاستبدال رئيس الوزراء نوري المالكي. قام رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء التركي بزيارة رسمية الى بغداد ليوقع في نهايتها اتفاقات اقتصادية تتضمن استثمارات تركية بثلاثة مليارات دولار في مجال تطوير استخراج النفط العراقي.
لم تكن النتائج الاقتصادية هي العنوان الرئيسي للزيارة، بل أصبح لتركيا تأثير جدي في معالجة الوجود التركماني في مدينة كركوك العراقية المحاذية للمناطق الكردية العراقية، والاهم هو أن المدينة هي المحيط الرئيسي لآبار البترول العراقية. فضلاً عن اعتراف الحكومة العراقية وكذلك القيادات الكردية بحق الجيش التركي بملاحقة مقاتلي حزب العمال الكردي التركي المعارض داخل الأراضي العراقية.
البيان السياسي المشترك الذي صدر بعد زيارة أردوغان الى العاصمة العراقية في شهر تموز من العام الماضي تحدث عن تفاهم استراتيجي على أعلى المستويات في مجالات استخراج مشترك عراقي ـ ايراني للنفط وإنشاء خطوط أنابيب جديدة لتصدير الغاز العراقي عبر الموانئ التركية على البحر المتوسط الى العالم.
الخطوة الثالثة كانت في اتجاه روسيا، فبعد الدور التركي المحايد في الاشتباك الذي حصل بين روسيا وجورجيا في الصيف الماضي، قام الرئيس التركي عبد الله غول بزيارة “دولة” الى موسكو في الشهر الماضي أظهرت تفاهماً عميقاً بين الطرفين على أهمية استقرار الجمهوريات السوفياتية السابقة التي يتحدث أهلها باللغة التركية ويعتبرون اسطمبول امتداداً سياسياً لهم. أكد ذلك الرئيس غول في زيارة قام بها الى تتارستان التي يتحدث أهلها باللغة التركية والدولة الأكبر التي تتمتع بالاستقلال الذاتي في الاتحاد الروسي، ذهب غول إليهم ليحدثهم عن ضرورة التزامهم بالسياسة الروسية. وذلك رداً على استمرار تدفق الغاز الروسي الى تركيا في عز الاشتباك مع جورجيا حين توقفت كل الأنابيب عن العمل ما عدا الأنابيب الذاهبة الى الأراضي التركية.
فتركيا تعتمد بنسبة ثمانين في المئة على الغاز الطبيعي الروسي، مما جعل روسيا الشريك التجاري الأول لتركيا بعدما وصل حجم التبادل التجاري بين البلدين الى 32 مليار دولار في العام الماضي.
الخطوة السياسية الأهم في اتجاه الشرق الأوسط كانت في فلسطين. حيث رفعت الأعلام التركية في قطاع غزة الفلسطيني إبان الاعتداء الإسرائيلي على القطاع في أواخر السنة الماضية بعد اشتباك كلامي بين رئيس الوزراء التركي والرئيس الاسرائيلي شيمون بيريز في منتدى دافوس الاقتصادي الدولي.
أدان أردوغان العنف المتمادي وسياسة القتل الإسرائيلية في المنتدى السويسري، وعاد الى بلاده فجراً ليجد تظاهرات في استقباله.
صحيح أن الاستنفار الدولي لمصلحة الجغرافيا المصرية ـ الفلسطينية منع تركيا من الحصول على دور مباشر وفوري في الموضوع الفلسطيني. لكن السياسة التي اتبعها أردوغان جعلت بلاده تحصل على حصة كبيرة من شرعية الدفاع عن الحق الفلسطيني.
لم تستطع إسرائيل أن تتجاهل الموقف التركي، ولكنها ايضا لا تستطيع مواجهته. فتركيا هي الدولة الإسلامية الأولى التي اعترفت بإسرائيل بعد قيامها في العام 48.
وأردوغان هو رئيس الوزراء التركي الأول الذي يزور الكنيس اليهودي في اسطمبول بعد تعرضه لاعتداء في العام الماضي. والاهم أن الفضاء التركي أيضا هو المجال الوحيد المتاح في المنطقة للتدريبات العسكرية الإسرائيلية. وتربط الجيشان علاقات تعاون وثيقة وقديمة.
يقول سولز لاغتباي الخبير التركي في مؤسسة الشرق الأدنى للدراسات الاستراتيجية ان ظهور الخلاف بين البلدين يعرض مستقبل العلاقات العسكرية بينهما. “فبعد نفاد الدعم الشعبي التركي للعلاقات الثقافية والاقتصادية بين البلدين، يجب أن تكون العلاقات العسكرية موضع مراقبة شديدة حتى تستمر. فلا يمكن تجاهل الرأي العام في علاقات تركيا الخارجية على عكس العلاقات مع مصر التي تتجاهل حكومتها المعارضة الشعبية للعلاقات مع إسرائيل بسبب طبيعة النظام السلطوية”.
ولا تستثني العثمانية الحديثة ايران من خارطتها الاستراتيجية. لذلك تجاهلت الحكومة التركية المقاطعة الأميركية لإيران في السنوات الماضية وشاركت في كل المؤتمرات التي دعيت إليها في إيران والمتعلقة بشؤون المنطقة وتجمعاتها الاقليمية. كذلك استقبلت ولو ببرودة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد ولكن في اسطمبول بعد الأزمة البروتوكولية التي أثارتها زيارة الرئيس الايراني الاسبق هاشمي رفسنجاني الى أنقرة ورفضه القيام بالواجب التقليدي لزيارة مدفن مؤسس تركيا الحديثة مصطفى كمال أتاتورك.
إذ إن الحكومة التركية تعلم معنى سقوط العراق سياسياً في النطاق الإيراني بعدما كان حاضرا في عهده السابق بين الامبراطوريتين الفارسية والتركية. لكنها ـ أي الحكومة التركية ـ التزمت بعنوانين رئيسيين، الأول هو رفض حصول ايران على تقنية نووية عسكرية، والعنوان الثاني هو التصرف تجاه ايران باعتبارها دولة كبرى جارة لها حقوق سياسية في المنطقة ويجب حفظ مصالحها.
هذان العنوانان هما جدول الأعمال المشترك الذي يريد “البروفسور” أوغلو منظر العثمانية الجديدة أن يضعه على طاولة الاجتماع التركي ـ الايراني ـ العربي الذي يحقق توازنا في القوى واستقراراً من جهة ويلزم اسرائيل، أياً كانت قيادتها، بحل الدولتين الفلسطينية والاسرائيلية من جهة اخرى.
ماذا أثمرت هذه السياسة الجديدة لتركيا القديمة؟
تطلق دراسة أميركية على العلاقات بين واشنطن وأنقرة صفة سياسة الخيار الصعب. فلا تركيا تهدد أمنياً الولايات المتحدة كما هي الحال مع العراق وإيران وأفغانستان وروسيا وبلاد القوقاز، ولا هي لاعب استراتيجي مثل الاتحاد الأوروبي واليابان والصين في الاقتصاد الدولي، ولا دولة مصدرة للنفط مثل السعودية. ولا حتى احتمال مخاطر كما هي باكستان وكوريا الشمالية. باختصار تركيا لا تصنع العناوين في جريدة النيويورك تايمز وتلفزيون سي. ان. ان. لكنها خيار استراتيجي كبير للسياسة الأميركية لا غنى عنه للنجاح الأميركي على جبهات مختلفة.
لذلك فالزيارة الاولى للرئيس الاميركي الجديد الى دولة إسلامية ستكون الى تركيا في نهاية الشهر المقبل، ولو أن استطلاعات الرأي التركية الأخيرة أظهرت أن سبعين في المئة من الأتراك يعتبرون أميركا دولة عدوة لهم.
حققت النظرية “العثمانية” الحديثة النجاح في امتحانين، الأول انها لم تتجاهل التاريخ لكنها ايضا لم تتصرف على قاعدة أن التاريخ يكرر نفسه. فكان لإسلامها الدور الأول في إدارة الاعتدال في منطقة تعج بالمتطرفين.