نهاد المشنوق » إمبراطورية تستعيد “إقليمها” بهدوء.. ( 2\1 )

إمبراطورية تستعيد “إقليمها” بهدوء.. ( 2\1 )

مقالات 09 مارس 2009 0

عاد الذئب الرمادي إلى ذاكرة الأتراك. ولكن ليس لكونه رمزاً لتاريخهم الأول. ففي الأسطورة الشعبية أن الذئب قاد الأتراك الأوائل المحاصرين في آسيا الوسطى إلى سهول الأناضول قبل آلاف السنين. وحده الذئب كان يعرف الطريق وسط الثلوج والجبال فصار الذئب الرمادي رمزاً قومياً لنشأة بلادهم الأولى.
عاد الذئب إلى ذاكرة الأتراك بمعناه المغولي “أرجنكون” أي “ممر عبر الجبال الصعبة”. لأن هذا الاسم المغولي صار عنواناً منذ أشهر لانقلاب خططت له مجموعة قومية علمانية ألقي القبض على 143 من أعضائها. يبلغ عدد صفحات الادعاء العام المقدم ضدها 2500 صفحة، ويقال إن هناك الملايين من الوثائق تؤيد الادعاءات والجرائم المنسوبة إلى المتهمين.
الأهم في لائحة المتهمين أن على رأسهم ثلاثة من جنرالات الجيش المتقاعدين ورئيس سابق لجامعة اسطمبول وأحد كبار الصحفيين فقد أفرج عنه بداية حتى استكملت الأدلة ضده، فعاد إلى رفاقه في السجن. وتبين أنه كان هناك مخطط في العام 2004 لاغتيال رئيس أركان الجيش، لكن المخابرات المركزية الأميركية أبلغت القيادة العسكرية المخطط، فشددت الحراسة على رئيس الأركان وفشلت محاولة الاغتيال، حسب قول مجلة “يني إكتول”.
ليس طبيعياً في تركيا أن يذهب الجنرالات إلى السجن. فمنذ الحرب العالمية الأولى حين نشأت تركيا الحديثة هم الحكم أو بالحد الأدنى الدور الرئيسي في القرار. فماذا حدث حتى تخلى هؤلاء الجنرالات ومن معهم عن هدوئهم فقرروا الانقلاب على حكومة حزب العدالة والتنمية التي يرأسها رجب طيب أردوغان الشاب في عمر تأسيسه والنشط بعمر زعاماته؟
منذ صعود القوى ذات الخلفية الإسلامية إلى مواقع متقدمة في الحياة السياسية التركية استنفر العلمانيون المتطرفون قواهم وأصبح شغلهم الشاغل هو كيفية قطع الطريق عليهم وإفشال تجربتهم، باعتبارهم يمثلون تهديداً مباشراً للعلمانية والتراث الكمالي. وأصبحت هذه المهمة أحد أهداف منظمة ارجنكون، التي تتعدّد الأقوال في منشئها، فمن قائل إنها امتداد لجماعة الاتحاد والترقي التي خلعت السلطان عبد الحميد، وقضت على الخلافة الإسلامية، وآخر يقول إنها كانت ذراعاً لحلف الناتو الذي انضمت إليه تركيا في بداية الخمسينيات، وإنها كانت ضمن المنظمات التي شكلتها المخابرات المركزية في أوروبا لمكافحة الشيوعيين في مرحلة الحرب الباردة، لكن الذي لا يختلف عليه أحد أن أصابعها كانت هناك في أغلب القلاقل والاضطرابات التي شهدتها تركيا. وانها انتشرت في مختلف مفاصل الدولة حتى قدر الخبراء أعضاءها بنحو 40 ألف شخص.
ثمة حادث وقع في شهر تشرين الثاني/نوفمبر من عام 1996 يسلط الضوء على مدى قوة وانتشار تلك المجموعة الخطيرة، ذلك أن سيارة مرسيدس سوداء كانت تسير مسرعة على أحد طرق غرب تركيا، فخرجت عليها سيارة شحن كبيرة صدمتها وقتلت ثلاثة من ركابها، أحدهم كان مدير الأمن السابق لمدينة اسطمبول، والثاني أحد زعماء المافيا الخطرين والمطلوبين محلياً ودولياً، والثالثة ملكة جمال سابقة لتركيا كانت عشيقة الثاني. أما الرابع الذي جرح فقط فقد كان شيخ عشيرة كردياً يتمتع بالحصانة البرلمانية. في التحقيق تبين ان المجموعة كانت قادمة من أزمير، عقب اجتماع عقدته مع وزير الداخلية في الحكومة، وان السيارة كانت تحمل سلاحاً، وحين قدمت الاستخبارات تسجيلاتها التي تتبعت بها بعض ركاب السيارة، تبين أن السيدة تانسو شيللر رئيسة الوزراء في الحكومة آنذاك كانت على اتصال مع واحد منهم، هي وزوجها. القضية تمّت لفلفتها، واختفت البصمات من ملف القضية، وصدرت أحكام مخففة بحق الذين اتهموا فيها، وأفلتت إحدى خلايا منظمة ارجنكون من العدالة. وكان أحد الأسباب التي أدت إلى ذلك أن الحكومة كانت ضعيفة في مواجهة الجيش.
هذه المرة وقعت الأحداث في ظل وضع اختلفت فيه موازين القوة في تركيا. فقد دأب الإعلام العلماني على اتهام الحكومة بأنها تسعى لتطبيق الشريعة في البلاد، وكان ذلك مبرراً لتنظيم بعض تظاهرات الاحتجاج باسم الدفاع عن العلمانية. في هذه الأجواء ألقيت قنبلتان على فناء صحيفة الجمهورية المتطرفة (مدير تحريرها متهم في القضية)، للإيحاء بأن الإسلاميين يريدون تخويفها. وبعد ذلك قتل أحد المحامين قاضياً في المحكمة العليا، وقال القاتل في التحقيق إنه أقدم على فعلته، لأن الرجل من معارضي السماح للمحجبات بالدراسة في الجامعة، وبطبيعة الحال فإن الصحف العلمانية استشهدت بما جرى، وراحت تحذر من مغبة السياسة التي تتبعها الحكومة.
الحادثان وقعا في العام 2007 حين كانت أجهزة الأمن تراقب خلالها شقة سكنية في ضاحية اسطمبول، وحين اقتحمت الشقة وجدت فيها مخزناً للأسلحة ووثائق عدة بالغة الأهمية. كما اكتشفت أن بها قنابل من الطراز نفسه الذي ألقي على صحيفة الجمهورية، وعثرت على صورة لقاتل القاضي مع أحد الجنرالات المتقاعدين، وصورة أخرى لقائد الشرطة العسكرية السابق، الذي يعدّ أحد أهم خمسة قيادات عسكرية في البلاد، وصورة لجنرال ثالث مع مؤسس جمعية الدفاع عن الأفكار الأتاتوركية، وكانت تلك الوثائق هي الخيوط الأولى التي تتبعتها أجهزة الأمن والتحقيق والتي كشفت عن حلقات أخرى في التنظيم، وأشارت إلى علاقة لأرجنكون بحزب العمال الكردستاني الانفصالي الداخل في صراع مع حكومة أنقرة.
لا زال الأتراك حتى الخبير منهم يتحدث بحذر عن هذه المنظمة ويفترض من كثرة حذره أن المحاكمة لن تؤدي إلى كشف وقائع فعلية مهما كانت الأدلة. فصورة المتهمين العسكريين لا زالت خارج إطار الإدانة استناداً إلى تاريخ الجيش في الحكم وقدرته الدائمة سابقاً على الانتصار على الأحزاب السياسية حين يرى خطراً على علمانية دولته التي بناها كمال أتاتورك مؤسس تركيا الحديثة في العام 1920.
لكن الواقع يختلف عن ذلك.
****
زرت مدينة اسطنبول مرات عدة في الصيف الماضي. بعد زيارات سابقة كثيرة بينها رسمي حين كان سليمان ديميريل رئيساً للجمهورية وبعده تانسو تشيللر المرأة الحديثة والمستعجلة دائما لقضاء أمورها إلى حد استعمال الهليكوبتر للانتقال داخل أنقرة تجنباً لإضاعة الوقت في زحمة السير.
عرفتُ ديميريل، وعرفت أكثر وعن قرب تشيللر التي كانت تربطها بالرئيس الشهيد رفيق الحريري علاقة لها مضمون سياسي جدي يتجاوز العلاقات اللبنانية ـ التركية إلى علاقات حكومتها آنذاك مع القيادة السورية والمملكة العربية السعودية أيضاً.
ما لقيته في زياراتي الأخيرة في اسطمبول مشهد مختلف تماماً. ليس من ناحية تطور المدينة الجمالي والخدماتي، وهو تطور الفضل الكبير فيه لرئيس الوزراء الأسبق تورغوت أوزال الذي توفى منذ 10 سنوات فجأة في اوائل الستينيات من عمره، وتبين بعد ذلك أنه ينتمي إلى الطرقة النقشبندية الصوفية، بل من الناحية السياسية. إذ ان الحزب الحاكم الحديث النشأة صارت له جذور في الاقتصاد التركي وتطور بحيث لم يعد من السهل اقتلاعه من البازار الكبير دون الانقلاب العسكري عليه.
صحيح ان قيادة الحزب الحالي استطاعت بواسطة إغراءات الصلة بالحكم جذب العديد من هؤلاء الاثرياء الذين كانوا يحيطون بزعيم حزب الرفاه نجم الدين أربكان شيخ الإسلام السياسي التركي الذي يرفض التقاعد، رغم بلوغه أرذل العمر، والأصعب من الوضع الصحي. وصحيح أيضاً أن أربكان «عاتب» على تلاميذه الذين صاروا حكاماً ويصف كبيرهم أردوغان بأنه التلميذ الذي غادر مدرسته، لأنه فشل في دروسه، لكن القيادة الشابة للحزب الجديد استطاعت توثيق الصلة بطبقة من رجال الأعمال المتوسطة وما فوق، بحيث أصبحوا جزءاً من حركتها السياسية.
تلاحظ ذلك عندما تذهب إلى البازار الكبير الذي يضم 4500 دكان يقوم عليها جزء كبير من الاقتصاد الاسطمبولي. في البازار حيث طبقة التجار المتوسطة هي الأساس تجد الدعم غير المحدود للقيادة الجديدة لأسباب كثيرة أولها النمو الاقتصادي الذي تحقق في السنوات العشر الأخيرة، وعودة اسطمبول في عهد عمدتها السابق رجب طيب أردوغان إلى عصر نهضتها التاريخية والسياحية، حين كان يعتبر العمل في تطوير عاصمة السلطنة العثمانية “نوعاً من العبادة”، كما نقل عنه آنذاك. واستمر في سياسته هذه حين أصبح رئيسا للحكومة.
ثاني هذه الأسباب أن أردوغان يعدهم بالعمل الدائم منه ومن حزبه على توفير مستلزمات الدخول إلى السوق الأوروبية المشتركة، مع ما يعني ذلك من تطور في الاقتصاد التركي يسعى إليه التجار بطبيعة الحال. ليس لمنفعة فقط بل أنهم يرون في معارضة العلمانيين المتطرفين المسعى نحو السوق الأوروبية بأنه نتيجة رغبة النخبة المدنية والعسكرية بالحفاظ على مكتسباتها المتراكمة منذ سنوات في السلطة والتي حققت لهم ثروات خيالية بشكل مخالف للقانون. ويصل التجار في التأييد إلى حد القول إنه حتى لو لم توافق السوق الأوروبية على دخول تركيا إليها فإن القوانين والضوابط التي تشرّع من ضمن هذا المسعى تحقق للدولة التركية مضموناً متقدماً على ما كان الحال عليه في السنوات الطويلة السـابقة، وتغلق الباب الواسع.
هذا مع العلم أن الأزمة الاقتصادية الدولية أجّلت انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي حتى العلم 2025. ولا أحد يدري ما ستكونه تطورات العقدين المقبلين.
لا يعلن نظام الحزب ولا النص السياسي لزعيمه أردوغان إسلاميتهم منعاً لمخالفة القانون الصارم حتى الآن بمنع القرارات التي تخالف العلمانية من جهة ومن جهة أخرى لتشكيل نقطة جذب سياسية تستطيع القوى الشابة من العلمانيين المعترضين على فساد قيادتهم التاريخي وعجزها عن تحقيق تقدم فعلي في قطاع التطوير والخدمات بينما يزداد تقوقعها في اتجاه سياسي واحد، رغم التغييرات الجذرية التي تحصل في الدول المحاذية لتركيا خاصة من الشرق. كذلك الأمر مع بعض قوى “اليسار” التي اشتكت لسنوات من الخطر العسكري عليها باعتبارها تاريخياً تمثل السياسة السوفياتية. الأهم أن أردوغان طرح موضوع الأكراد الذين يمثلون 20 في المائة من الشعب التركي باعتباره مشكلة لا بد من الغوص في تفاصيلها لحلّها.
ضمن هذا التوجه قام رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان في يونيو/ حزيران 2006 بأول زيارة لمناطق جنوب شرق الأناضول، حيث اطلع على أهم مشكلات المجتمع الكردي المتعلقة بالمنع الثقافي والحرمان الاقتصادي وارتفاع البطالة والفقر.
ومن هناك أعلن أردوغان وبشكل صريح عن وجود مشكلة كردية وأخطاء ارتكبت بحق الأكراد، وأكد الحاجة لحل سياسي حقيقي، وقامت الحكومة ببعض الاجراءات التي تؤشر على تفضيلها للحلول السلمية على العسكرية.
ومن أهم هذه الإجراءات السماح لأول فضائية كردية ببث برامجها لساعات عدة يومياً، فضلاً عن سماحها لجامعة اسطنبول بعقد أول مؤتمر عالمي دعيت إليه أبرز الشخــصيات الفكرية لبحث مستقبل المسألة الكــردية، وهو تطور ما كان ليحصل لولا رغبة الحكــومة التركية في تهيئة الأجواء السياسية والمناخات الفكرية لقبول حلول سلمية للمسألة الكردية في السنوات المقبلة.
ولعل أهم المؤشرات التي يمكن استشفافها من التوجه التركي الجديد:
أولاً: انتهاء التصور الأمني والعسكري للمسألة الكردية باعتبارها فقط مجموعة إرهابية وخارجة على القانون يمثلها حزب العمال المعارض تسعى إلى زعزعة استقرار وأمن الدولة التركية.
إذ أن تعزيز الحقوق الثقافية الكردية والاعتراف بوجود أخطاء سياسية ارتكبت سابقاً والقبول بمنــهج التفاوض مع طرف ثالث هم أكراد العراق لإيجاد آليات سلمية لحل إشكالية «حزب العمال» سيلغي عسكرية التعامل مع المسألة الكردية ويؤسس لتوجــه واقعي جديد ليس أقله احتمالاً الاعتراف بحقوق الشعب الكردي في إطار الدولة التركية، كما هو حاصل مع أكراد العراق.
فحكومة أردوغان بدأت بالاقتراب التدريجي من الفهم الواقعي لمفهوم الأمة او الدولة القومية الذي لم يعد مستنداً إلى وحدة العرق او القومية او الدين فقط وإنما أيضاً الى قوة الانتماء الى الدولة بين أفرادها.
****
صبرت الحكومة التركية على توتر الإدارة الأميركية السابقة بسبب منع القوات الأميركية الانطلاق من القواعد الاميركية الموجودة على الأراضي التركية أثناء عملية احتلال العراق في العام 2003. ردت الحكومة على الصوت الذي رفعته الوزيرة السابقة للخارجية الأميركية والذي وصل إلى حد قول أحد مساعديها العبارة الشهيرة “الآن مات أتاتورك”. ردت بالصبر، لكن الصبر وحده لم يكن السياسة المتبعة بل تسبب هذا القرار باستقطاب داخلي لمزيد من الالتفاف حول قيادة الحزب الشابة من تيارات متشددة معادية للسياسة الأميركية سواء بسبب تدينها ام بسبب “الخصوصية الوطنية” التركية التي تتعزز كلما كان الصراع مع الخارج.
شهدتُ منذ أشهر على التلفزيون التركي المترجم للانكليزية مقابلة تعبّر عن هذه الخصوصية. كان المتحدث هو الأخير من سلالة السلاطين العثمانيين في شقته المتواضعة جداً في نيويورك، شكر أردوغان أولاً على منحه الجنسية التركية التي لم يحملها منذ ولد في الخارج. وعندما سئل عن رأيه في مصطفى كمال أتاتورك مؤسس تركيا الحديثة قال إن ما فعله أتاتورك كان عملاً عظيماً إذ لولا مـبادرته بالقــوة والتعبئة الشعبية بعد خسارة الحرب العالمية، لكانت تركيا مقسّمة الى مناطق تحتلها الدول المجاورة.
استفاد أردوغان من هذه “الخصوصية الوطنية” إلى الحد الأقصى. فالمجلس الدستوري الذي حاكمه بتهمة العمل ضد العلمانية في قرار السماح للطالبات الجامعيات بارتداء الحجاب. هذا المجلس يضم 11 قاضياً، تسعة منهم معينون من رئيس الجمهورية السابق نجدت سيزر واثنان من الرئيس الحالي عبد الله غول. إلا أن قرارهم بالاكتفاء بتوجيه تحذير إلى رئيس الحكومة أظهر أن خيارهم كان تماسك المجتمع التركي لأسباب وطنية، إذ لو كان الأمر سياسياً فقط فإن القانون يسمح بحظر عمل حزب العدالة والتنمية، بسبب دعوة رئيس الطالبات إلى التزام الحجاب في الجامعات. وهو أمر ينص القانون التركي صراحة على منعه في الجامعات والمؤسسات العامة.
اعتبر أردوغان قراره الذي تراجع عنه لاحقاً، امتحاناً اسلامياً عاماً. حين قال ان الأمة الاسلامية في العالم تنظر إلى التجربة الديموقراطية التركية وتنتظر منها ان تكون النموذج الذي يحتذى. فتجاوب الأتراك مع نموذجهم، وكذلك فعل قضاة المجلس الدستوري.
بعد أقل من أربع سنوات على الاحتلال الأميركي للعراق نجح “الصبر” التركي في انتزاع قرار بحق الجيش بملاحقة المنتمين الأكراد إلى حزب العمال في شمال العراق بموافقة الولايات المتحدة وبالتفاهم ودعم السلطة الكردستانية في أربيل عاصمة الاقليم الكردي العراقي. بعد ذلك رفع الستار عن الدور التركي في المفاوضات الإسرائيلية ـ السورية المباشرة والذي قام به منذ سنوات.
بالأمس أعلنت وزيرة الخارجية الأميركية من أنقرة، بعد حضورها وزميلها التركي اجتماعاً “ترأسه” أردوغان، اعلنت ان الرئيس أوباما سيزور تركيا خلال الشهر المقبل، في أول زيارة له إلى دولة “إسلامية”. هذا في الوقت الذي يجول فيه أردوغان على المدن والقرى التركية دعما لمرشحي حزبه في الانتخابات البلدية التي تجري آخر الشهر الحالي.
****
الاتراك استبقوا إعلان الزيارة. فقد نقل باحث في مؤسسة هدسون الاميركية عن أصدقائه الاتراك ان فلاحين في القرى التركية ذبحوا 44 خروفاً على شرف نجاح الرئيس الـ 44 للولايات المتحدة الاميركية.
لا يحتاج السياق هنا إلى التذكير بالمشادة التي حدثت في دافوس السويسرية بين أردوغان وبيريز، وما حققه أردوغان من أرباح سياسية داخلية وخارجية نتيجة لهذا الاشتباك.
بالطبع حققت الاستقبالات الشعبية غايتها. صار أردوغان كثير الثقة بنفسه وبما يقوله، حتى أن كاتباً سياسياً ومعلقاً تلفزيونياً حيادي السمعة طالب، الاسبوع الماضي، بوقف رئيس الوزراء عند حده، واصفا إياه أنه كان كثير الاستماع الى شعبه في ولايته الأولى مسجلاً الملاحظات المهمة، بينما صار الآن يغضب لحظة تعرضه للانتقاد ثم يشطب الشخص الذي ينتقده من دفتر العناوين الخاصة به. فماذا سيحصل إذا ارتفعت نسبة التصويت لاردوغان في انتخابات المحافظة المقبلة إلى 50 في المائة؟ رد أردوغان بأن قانون الحزب لا يسمح لأعضائه بالترشح أكثر من مرتين للمقعد النيابي الملزم لتسمية رئيس الوزراء، وهو ستنتهي ولايته الثانية في العام 2011.
وأضا ف أن الوسيلة الوحيدة لهزمه هي الانتخابات. وذلك بعد أن دخل في مواجهة حادة مع أكبر مجموعة إعلامية في تركيا يترأس صاحبها أيرن ادوغان، مجموعة “توسياد” المعنية بالعلاقات التجارية العربية ـ التركية، والتي رفعت حجم التبادل التجاري بين تركيا والعرب من 4 إلى 30 مليار دولار. هذه المجموعة الاعلامية التي تسيطر على 80 في المائة من الحصة الاعلانية في السوق التركي شكلت دعماً دائماً لحزب العدالة والتنمية في سياستيه الداخلية والخارجية. فإذا ببعض الانتقادات لأردوغان تجعل وزارة المالية التركية “تكتشف” تهرباً للمجموعة الإعلامية من ضرائب قيمتها 500 مليون دولار.
كيف استطاع لاعب الفوتبول المحترف نجل حارس الشاطئ الفقير في قرية رايز على البحر الأسود، المتعلم في مدرسة دينية في اسطمبول قبل نيله الشهادة الجامعية في الادارة من جامعة مرمرة، وكاتب الشعر عن “المسجد الذي يحمينا، وقببه هي الغطاء لرؤوسنا، ومآذنه حرابنا والإخلاص جنودنا”. وهو شعر تسبب بسجنه لمدة أشهر منذ عشر ســنوات في العام 1998 بعد أن كان محافظاً لاسطنـبول قبل سجنه بأربع سنوات.
كيف استطاع هذا الشاب الإسلامي المنتخب ديموقراطياً والمستثمر لنجاحه الداخلي في الخارج وبالعكس، ان ينعش “العثمانية” في بلد تعداده 70 مليوناً. جيشه هو الرابع في الشرق الأوسط من حيث ميزانية التسليح السنوية والسادس في أوروبا. دخله القومي يتجاوز الدخل السعودي النفطي بكثير رغم استيراده حاجته من النفط.
كيف استطاع ان يوقظ “العثمانية” بعد 90 سنة على هزيمتها؟ الجواب في الحلقة المقبلة.
(أتيحت للكاتب في فترة انقطاعه عن الكتابة زيارة القاهرة، اسطنبول، عمّان، جدة، باريس. وهذا بعض ما عاد به.)